آخر تحديث: 16 / 10 / 2019م - 10:45 ص  بتوقيت مكة المكرمة

تَرزِي البلد

في هزلِ الحياةِ وجدها حكمة، وفيما أكتبُ لك اليومَ من ذكرى الماضي الكثيرَ من الطرافةِ والحكمة في آنٍ واحد. وفي جمالِ الذكرى أنَّ لي أخاً اسمه ”جمال“ توأمٌ لي إلا أنَّ أمي أنجبته بعد سنتين من ولادتها بي. تشاركنا في كثيرٍ مما مضى فليست الحياة في شيءٍ إن لم يكن لك أخٌ فيها، فكيف إذا كنت قريباً منه في كل شيء حتى العمر؟ ذكرى اليوم عن ثوبٍ خاطهَا لنا خياطُ البلد، الذي كان مثلاً في الجد والعملِ ودماثة الخلق حتى في كبر السن، قيمةٌ يفتقدها المجتمع الآنَ في الشبابِ وفي الكبارِ الذين يتسولونَ انقضاءَ ساعاتِ اليومِ دون عملٍ مفيد!

وأنت صاعدٌ نحو الديرة القديمة في جزيرةِ تاروت، قبل حوالي الخمسين سنة، ترى القلعةَ  شامخةً بعلوها على اليمين، يعج سفحها بالباعةِ ومرتادي نبع الماء الجاري رجالاً ونساءً، صبايا وصبيان، وعلى اليسار سكةٌ قديمة فيها دكانٌ صغير، بابه الخشبي مفتوحٌ على الجنوب، لا تزيد مساحته على بضعة أمتار، لن تستطيع الدخول إلى داخله وتضطر لتقف أمامَ الخياط الجالس إلى يسارِ الباب. لا يحتاج الخياط أن يستخدم شريطَ قياس الطول، بل ينظر إليك نظرةً واحدةً ”أو اثنتين“ ويقول: هات خمسةَ أو ستةَ أذرعٍ من القماشِ فهذا يكفي لك ثوباً.

حضرتُ أنا وأخي فنظر إلينا وأخبرنا كم ذراعاً من القماشِ يكفي فذهبنا لدكَّان ”الحاج المعلم“ الذي كان يبعد عشراتِ الأمتار فوق التلة واخترنا قماشاً أخضر عشبي اللون وجئنا به له وقال لنا: تعالا بعد أسبوعٍ لتأخذا الثياب. حضر أخي بعد أسبوع وقال له الحاج ”ثيابُ أخيك جاهزة وأنت تلزمك قطعة قماشٍ إضافية“. كم كنتُ فرحاً بالثوبِ الجديد الذي كانت فيه ميزتان: أكمامه طويلة مخاطةٌ في طياتٍ حتى أستطيع أن أفكَّ طياتِ القماش متى ما زاد طول يدي، وذيلها كان مخاطاً في طولٍ زائد حتى إذا ما زاد طولي استطعتُ أن أُطيلَ ذيلَ الثوبِ فلا تبدو قصيرة.

كانت دهشة أخي تكبر عن الوصفِ عندما رأى أن الخياطَ أضافَ القطعةَ في منتصفِ الثوب بشكلٍ دائري وبدت الرقعةُ واضحة، لكن أخي لم يكن ليدع تلك الرقعة تمنعه من تفويتِ متعة لبسِ ثوبٍ جديدٍ خاطه ترزي البلد ويزهو به بين أقرانهِ يوماً أو يومين! ذهب أخي للمدرسةِ في اليومِ التالي وأحاطت به عيونُ الصغار من كلِّ جانب يعيرونه ظانينَ أنه استعارَ ثوبَ أخيه ولم يقتنعوا إلا بعدما جئتُ أنا في ثوبي الجديد الأخضر العشبي. ثوبي التي حضرتُ فيها أولَ وآخرَ مسابقةٍ لصفوفِ المدارسِ الابتدائية في محطةِ تلفزيون الدمام وأحرزنا المركزَ الثاني في الصدارة.

ربما هذه الذكرى على صغرها تعطيك حافزاً أن تكتب ذكرياتك وتقصها على أحفادكَ عندما يكبرون، يتغامزون بينهم ويقولون كان ذاك في القديم وتجيبهم أنت: الدنيا دولاب ويا خوفي لمَّا يدور الدولاب، يا خوفي لما يدور الدولاب وكنا نسينا الماضي! يأتي يومٌ على الإنسان يقول: المال مهمٌّ، لا نحيا بدونه، ولكن المُثل والقيم أعظم شأناً من المال.

اقرأها يا ”أحمد“ وباقي الأحفاد، لا تستحون منها فهكذا عاشَ جدكم بين حقيقتين، ماضٍ لا ينساه وحاضرٌ يخشاه!

مستشار أعلى هندسة بترول