آخر تحديث: 16 / 10 / 2019م - 10:20 ص  بتوقيت مكة المكرمة

متى فرغت كأسي رضيتُ فراغها!

منذ أن تركتُ العملَ اليومي وكلمةُ ”البراحة“ التي كلما أرادت أمي أن تصفَ مكاناً أنه كبيرٌ وتريدنا أن نلهوَ فيه قالت عنه ”البراحة“ تلازمني. أغلب الظنِّ فقط لأنَّ أمي أنثى حرةٌ عربية، أصرت على حقها وأضافت تاءَ التأنيث لكلمةِ ”البراح“ التي تعني في العربيةِ ”المكانَ الفارغ الذي لا بناء فيه“، وأنا فعلاً الآن عدتُ والكثير من أصدقائي مثل المكانِ الذي قالت عنه أمي ”كبيرٌ وفارغ“. لكن لماذا ننزعج أنا وأمثالي من أن نكونَ فارغين، أليس كلكم ومنذ الصغر تعملونَ بكدٍّ ونصبٍ حتى تصلونَ إلى مرحلةِ البراح والفراغ الزمني الذي بالطبع لا يشبه في أيِّ شيءٍ مرحلةَ ”السخف الزمني“ التي يعود فيها المرءُ الرشيدُ طفلاً في عقلهِ وعواطفه وجميع أفعاله؟

في عاداتنا نشأنا نكره الفراغ، فلا بد أن نملأَ بيوتنا بقطعِ الأثاث حتى لا نترك فيها مساحةً للحركةِ والجمال، ونملأَ مخازننا بأنواعِ الطعام حتى أننا لا نجد ما نبحث عنه، ونملأَ عقولنا بتوافه الأمور. فكما يبقى الجمالُ في فسحة الفراغِ في المنزل، يبقى الجمالُ في الفسحةِ الزمنية التي يعطينا إياها العمر ليس لنفعلَ فيها ما نحب بل لنعمل فيها ما يجب!

مساحاتُ الفراغِ الزمنية تمكننا من ملاحقةِ شخصياتِ الأنبياء والجري خلفها أو ملاحقة الشخصياتِ الكارتونية الفارغة التي تحقق الفراغَ الفعلي الذي تكرهه الطبيعةُ ومن ثم تملء الطبيعةُ هذا الفراغَ بشيءٍ آخر أشدَّ ضرراً وفتكاً من الفراغِ ذاته. المساحةُ الزمنية التي تأتي بعد أن كبرنا في العمر يجب أن تأتي ونحن كبرنا في العقلِ فنعيد قدر المستطاع وصل ما انقطع مع النفسِ والآخرينَ ومع الرب. ولا بأس أن نعودَ صبايا وصبياناً في بعضِ الأوقاتِ تجرفنا مياهُ سيول الزمن وتعيدنا نحو بعض ما كنا نحلم أن نعمله ولم نستطع لأننا كنا مشغولين.

هذا البراح الزمني لم تعرفه الأجيال السابقة ومنهم أبي الذي عملَ طوال حياته حتى مرضَ ومات، ولا يعرفه الكثير من ساكني الأرض الذين يعملونَ منذ نعومة أظفارهم حتى آخرَ يومٍ يستطيعونَ فيه المشيَ والحركة، فلا الفراغ ولا السؤال ماذا يعملون في الفراغ يشغل بالهم، إنما نحن القلة التي امتحنتنا الحياةُ في كيف نستمتع بالفراغ! نحن الجيل الذي أعطاه الله لؤلؤةً ثمينةً ولا ينفك كل يومٍ يسأل الآخرين: ماذا أصنع بهذه اللؤلؤة؟

ألا تذكرونَ يوم كنا صغاراً متى ما شربنا شيئاً تلذذنا واستطبنَا ما يبقى في قاعِ الكأسِ وباهينَا به أصحابنا، لأن أعذبَ وأحلى الشراب ما بقي في قاع الكأس، فهلا استطبنَا ما بقيَ من العمرِ كله ومتى ما فرغت كأسنا رضينا فراغها؟

مستشار أعلى هندسة بترول