آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 4:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

جراحاتُ الزمن

قرأتُ يومَ أمس نبأَ موت الشاب ”حيدر بن حسن عيسى الكرانات“. هو لا يعرفني ولم أعرفه لأنه أصغر مني وباعد بيني وبين أسرتهِ الأيام. أعرف جيداً جده الحاج عيسى وزوجته وأبنائهم الذين جمعت عائلتنا وإياهم صداقاتٍ متينة في سنواتِ الستينات والسبعينات. كنا نقيس المسافةَ بين جزيرةِ تاروت وسنابس بعدد النخلات التي نمر بها في الطريق! لم يكن بين البلدتين بيوتٌ وشوارع كما هو الآن، بل مسافةَ مشيةٍ مع أمي ونساءٍ أخريات نحو بيتهم الكبير بين النخيلِ في شمال سنابس قرب البحر. كانت امي تمسك بيدي وأنا أنطُّ بين حفرِ الطريق وركواتِ ماء البحر والملح الذي تبخر عنه الماء وأنا أتملص من يدها حتى إذا وصلنا نحو بيتهم لم أرَ أكرمَ منهم، الحاج والحاجة والأبناء كلهم وكنا ننادي بعضنا أبناء خالة. الله! كم كنتُ ابتهج حين أبيتُ الليلَ معهم أنا وأخي الأصغر مني ”جمال“ وكأننا لقربِ البحر ننام على هدير أمواجه لنصحو بين النخيلاتِ والمجلس من جريدِ النخيلِ والأشجارِ المورقة.

كم في هذه الذكريات تفيضُ عيني لمثلِ من يموت في هذا العمر، إذ يترك لوالديه كماًّ من الحزنِ لن يحملاه مهما حاولا، إسأل أمي وأبي كم حزنا حينما ماتَ أخي وماتا بعده! أسألُ نفسي أسئلةً مشروعةً وقاسيةً لا تقف عند حيدر ولا تقف عند العالم كله، لم يستعجل الشابُّ الرحيلَ في هذا العمر؟ بين الفينةِ والأخرى نسمع عن ارتحالِ شابٍّ لم يذق من حلاوةِ الحياةِ شيئاً قليلاً؟ بل أسأل نفسي لم يستعجل الناسُ الرحيلَ أصلاً، صغاراً وكباراً؟ من المحزنِ أن يكتبَ أحدٌ في ذكرى شابٍّ بدلاً من أن يكتب عن التعلم والعملِ والإبداعِ والأسرة، وكلما يشغل مستقبل الشباب.

هذه الحوادث التي تذبل فيها أغصانٌ ندية هي مثل جرحِ الزمنِ الذي يبقى مفتوحاً لا يبرأ. يموت من يموت وينساه الناس، لكن تنام أمهُ وينام أبوه على ذكراه ورائحة ما ذرت الريحُ في أرجاءِ الدارِ من عطره الزكي. كلما ربطنا حزام القيادة في رحلةٍ قصيرةٍ أو طويلة قلنا ”يا ستار“، وعندما نعود نقول ”الحمد لله“، سجل تسخر منه الأمم في كم يموت منا كلَّ يوم! أنا أجزم أننا لن نغلبَ القضاءَ أو نردَّ القدر ”كل حىٍّ سالكٌ سبيلي“، لكننا نستطيع أن نغلبَ ما ليس من القدر! يكفي حزناً.

لمن فرحتُ معهم صغيراً لكم منا كلَّ مشاعرِ الحزنِ والأسى والمواساة. يسكن حيدركم في الجنة ويعطيكم اللهُ أجر الصابرين.

مستشار أعلى هندسة بترول