آخر تحديث: 17 / 10 / 2019م - 2:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

بالونات الاختبار - الجزء 2

أمير الصالح

الطرح الواقعي الجاد لبعض المواضيع المشهودة ذات الجدل في المحيط الاجتماعي على الصعيد المحلي مثل تصاعد حالات التعدد وارتباطها بقلة الاهتمام بالابناء او تصاعد حالات الطلاق المبكر او الفشل في كبح تكاليف حفلات الزواج، ومن جهة اخرى المواضيع المتناوله في المجتمع العالمي مثل التفلت من القيم الاسرية التقليدية والتفلت عن نمط البناء الاسري التقليدي وغيرها من الامور اضحت تزحف على طاولة النقاش بشكل متزايد. قد يُرافق طرح تلكم المواضيع الساخنة للنقاش على الاثير العام صدمات واستقطابات وانكشافات وتحزبات ومفاجأت بعناوين مختلفة ك حالات رصد لتبدل قناعات البعض او تقزز البعض من نقاشها لاسيما اذا كان/ت المتقزز /ة او المتشنج او المنقلب من ابناء ذات المجتمع والعرق والايدلوجية الدينية الواحدة والمختلفة في المحيط الجغرافي الواقعي او الافتراضي.

جس نبض التوجهات الاجتماعية فكريا مع تفاوت الاجيال بين الحين والحين الاخر حول امر ما، امر يقارب فكرة الاستفتاء او المسح العام للافكار survey لاعادة استكشاف خارطة القناعات والافكار ومشابه الى حد ما في بعض جوانبه لـ صندوق اقتراع اختياري للأدلاء باصوات المنتخبين حول افكار او سلوكيات محلية او عالمية طافحة على السطح.

بفضل وسائل التواصل المتطورة في عالم اليوم، اصبح العالم قرية واحدة تقريبا، والحمد لله الصور الفكرية للقناعات تزداد وضوحا يوما بعد يوم على المستوى الاجتماعي والعالمي والافتراضي للتعرف على المؤيد والغير مؤيد والمحايد والغير مكترث بهذا الموضوع او ذاك من المظاهر السلوكية وموجات المد الفكرية او السلوكية او الصرعات الفنية. شخصيا اتوقع انه مع تقادم الايام ستلامس بعض المناقشات والاطروحات العالمية ارض الواقع الاجتماعي المحيط كل انسان حيثما كان. معظم قنوات الاعلام المحلي والعالمي ترصد النبأ وتحلل ردود الفعل وتعطي تصور لحجم التفاعل المستقبلي للحدث. وهناك برمجيات حاسوب عالمية متطورة تدرس كل شاردة وواردة وتعد تقارير ذات مردود مالي مجزي للجهات المعنية المستفيدة سواء في انماط الاستهلاك او طرق ترويج المنتجات او اماكن زيادة المبيعات او زيادة ضبط الامن موسميا او توجهات النمو الاستثماري او الارصاد او التمدد العمراني او نطاقات اسواق الطاقة الاكثر ربحا. ومن هنا تتزايد اهمية اطلاق بالونات الاختبار التي تُطلق لدراسة وتقييم ردود الفعل في معظم مجالات الحياة.

قيل في الاثر عن البيت النبوي الشريف ما معناه، ”و العالم بزمانه لا تهاجمه اللوابس“. حسن قراءة المشهد بصورة اجمالية هي من عيون الفطنة. لعل بعض الديوانيات الواقعية والديوانيات الافتراضية تناقش مواضيع ذات مساس واقعي وتتدارس بموضوعية اصداء تلكم المواضيع في جنبات المجتمعات المحلية؛ ويتم نقاش بعض تلكم المواضيع مع اهل الوظائف الاجتماعية والروحية والادارية للمعالجات الاستباقية الممكنة ولو بين الحين والاخر. ومن الفطنة ان يقف الانسان الصادق او الباحث عن الصدق مع ذاته ومجتمعه ووطنه ليعرف ويعيد التعرف على محيطه البشري في ارض الواقع قدر الامكان والامكانيات.

قبل فترة من الزمن اعدت اطلاق تنبيه وصلني لقروب يضم نخبة من المطلعين والمتدارسين لامور الثقافة والادب والمعرفة. تضمن التنبيه المعاد ارساله على مقال قصير مرفق ب فيديو معد من قبل احد وكالات الانباء العالمية. ويسلط التنبيه المعاد اطلاقه، الضوء على ضرورة تحصين النشئ الصاعد من انتشار ظاهرة انحراف اخلاقية تغزو العالم ويدعو التنبيه الى تجنب بعض وسائل الترفيه البريئة ظاهريا والمفخخة بدعوات الغاء نموذج الاسرة التقليدي. كان روبرتاح الفيديو صادم لي ولمعظم اعضاء القروب ويعطي الروبرتاج تصور لما قد تؤول اليه الامور في حالة عدم وجود سقف واضح للحرية الليبرالية الفردانية لكونها تطرح نموذج عن تكوين اسر غير تقليدية البناء وتدعو لاحادية الجنس للبناء الاسري. ردود الافعال من قبل بعض اعضاء الديوانية الافتراضية «قروب واتس اب» المستقبل لـ الرسالة كانت متباينة ومتضاربة؛ واظهرت ردات الفعل وجود قناعات وآراء متباينة جدا عن تعريف الحرية الفردية وعن حدودها وعن السلامة الاجتماعية وعن بعض القناعات الدينية في مجال المعروف والمنكر والفطرة السليمة والايعاد الارتدادية لنفس السلوك.

اورد كل عضو متفاعل قناعاته وتفسيراته ومنطلق آراءه؛ وكانت هناك مساجلات وتحييزات ومحاولة تسجيل نقاط ضد او مع، هكذا تم تشخيص الحال من طرفي لبعض ردود الفعل. والواقع وصفا ان معظم نقاشات الاطراف المختلفة ومن خلال ما نلمسه من تعليقات معظمهم أشخاص انفعالين فعلًا والعاطفة هي التي تحرك بعضهم وتجعل بعضهم في سياق الاصطفاف؛ ولهذا وجدنا ان الدفاع اللفظي او الهجوم الكلامي قائم على قدم وساق وبلا هوادة في بعض النقاشات الجادة. وكل طرف يدافع عن قناعات طرفه بإبراز المواطن الجميلة بالوان مختلفة واسقاط تشخيصات معينة تلامس مشاعر الطرف الاخر من الحديث لكي يكبح المتناقش الاخر من الرد والتعليق. فمثلا عند الحديث عن تصاعد نسبة الطلاق في منطقة جغرافية معينة، تجد ان مناصري الزواج المبكر يبرزون مكاسب الاستقرار النفسي ولا يبرزون بشاعة زواج القاصرات. وبالمقابل مناصري العزوف عن الزواج يبرزون خلل وضعف زواج القصر ومشاكل القيود الاسرية للحرية الفردية والتكاليف الباهضة للزفاف ولا يبرزون عيوب العزوف عن الزواج او امكانية الانزلاق في تيارات غير متخفظة سلوكيا ك اصحاب الوان الطيف!

شخصيا اؤمن بان هناك امور كثيرة يجب ان تُطرح على طاولة الحوار الهادف بين ابناء المجتمع من مختلف الاجيال وعلى نطاقات مختلفة واذكاء وتشجيع روح ايجاد الحلول وتفعيلها. جس النبض او بالون الاختبار، ان صدق التعبير عنه بذلك، الذي اطلقته في تحت عنوان التنبيه اوضح لي بعض اوجة الحراك الفكري وتعدد اعتناقات

الايدلوجيات المادي في ذات الوسط الاجتماعي بخطوطه القديمة والحداثية والعلمانية. فبعض الردود تمثل تيار فكر: اسلامي شعبي، اسلامي متحمس، اسلامي اخباري او سلفي، اسلامي حداثي، اسلامي اصلاحي، اشتراكي، اشتراكي اجتماعي، فرداني ليبرالي، ليبرالي، نيو ليبرالي، علماني،.... الخ.

هنا اقترح تفعيل آلية التدارس من خلال بالونات الاختبار حتى يتم الكشف مبكرا عن الخلل في التوجه وانتشال المبتلى باي ابتلاء سواء فكري او سلوكي او عقدي. الالحاد او التوجه نحو الشذوذ او الدكتاتورية الفكرية او ضمور النقد الايجابي او الانغماس في الجلد الذاتي او ضيق الافق او تعميق الشعور بالانهزام او مركزية القرار الاجتماعي تُكتشف من خلال التدارس الموضوعي واطلاق حق التعبير وتكاشف الرؤى. كما ان هكذا نقاش ينتج عنه نقد ونقد مضاد قد يستوجب الشجاعة وعدم خشية التدارس لـ فكرة مراجعة الموروث الفقهي ومقارنة الموروث الفكري؛ كما انه من الجيد ان تكون ساحات المناقشات مبتعدة عن مدافع التسقيط، والتفسيق، والتهميش، والتخوين، او قتل فرص النمو لـ المبدعين.