آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 4:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أعواد الثقاب

لا تختلف حرارةُ صيف عام 2019م كثيراً عن صيفِ عام 68م من القرن الماضي، أو عام 70م، وربما لن تختلف عن حرارةِ صيف 2100م. أعوادٌ من البارود المتفجر يتصاعد من الماءِ الرطب الحار القادم من البحار، يعلق في الجو وفي الأرض وفي كلِّ شيءٍ تقريباً يأخذ بأنفاس البشر، ويذبل ويموت كلما زرعه الناسُ في الربيعِ من شجر. لكن ما تغير هو كيف يتقي الناسُ حرارةَ الصيف الآن عما كانوا عليه في حالِ الفقرِ والعدم قبل طفراتِ الاقتصاد ووفرة المال.

قليلٌ من الناس يسكنون بيوتاً من الطين والإسمنت، وكثيرٌ منهم كانوا يعيشون في ظلالِ النخيل والبساتين، توفر لهم ظلاًّ يقيهم لهبَ حرارةِ أشهر تموز وآب، ولكن البساتينَ كانت تعريهم من مقتنياتهم وتزهق أرواحهم متى ما شاءت. لا تحتمل بيوتهم المصنوعةُ من سعفِ وجريدِ النخيل وجذوعها إلا لسعةً من عودِ الثقاب ويتطاير كل شيء في الهواء ويجرد كل ما حوله من عناصرِ الحياة.

تهب النساءُ من الخدور والصغار تلوذ بخمرهن السود، ويخرج الأبُ صارخاً في العراءِ ينادي أهل القرية ”حريق... حريق“، وسرعان ما يتنَادى الرجالُ والصبية، يملأ صراخهم الفضاء، يصطفونَ في حبلٍ طويلٍ من حدود النار وحتى أقربَ ترعةٍ يغرفونَ منها الماء ويرمونه على النارِ لتهدأ وتموت. وسرعان ما تتكشفْ الكارثةُ عن ضياع كل ما جمعه المعدمونَ في سنواتٍ طويلةٍ من مواشٍ وأبقار وأثاثٍ وغرضٍ بسيط من أغراضِ البقاء على أطراف الحياة، ما يبهجهم أنهم كلهم بقوا أحياء!

في اليومِ التالي، يصطف الرجال كتفاً بكتف، وينسجون بأيديهم الخشنة بيتاً آخر من جريدِ النخيل ويجمعون ما استطاعوا أن يوفروا من مالٍ وأغراض لتعودَ المرأةُ والطفلُ ينامون تحت سقفٍ ربما سوف يحترق في الصيفِ القادم. ليس هذا آخر بيتٍ يحترق في القرية ذلك الصيف فلربما نادى أحدُ الجيران بالحريق يوماً آخر.

ما أسأل نفسي: انتهى ذلك الشقاءُ وصار شَعْرُ أهل ذلك الجيل أبيض مثل ثلوجِ سيبيريا ولمن ولد بعد تلك السنين هي صورٌ من الذكرياتِ التعيسة، ولكن ماذا لو في تكرارِ البشر لأخطائهَا عاد الفقرُ والبؤسُ وتنادى الناسُ بالحريق مراراً كل شهور تموز وآب، هل يتنَادى أهلُ القرية يطفئونَ النار؟ أم ينامونَ عنها؟ أنا أعرف أن الصبيةَ سوف تعود فلا أخشى أن يناموا، ولكن لستُ متأكداً أن ذلكَ الزمان لن يعود ولو في صورةٍ غير سعفِ النخيلِ وعود الثقاب!

مستشار أعلى هندسة بترول