آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 12:39 ص

تعليق على الأنباء

أحمد علي الشمر *

* لحقبة طويلة إنطلت على العرب وعلى المجتمع الدولي برمته مقولة شعارات الديمقراطية ومبادئ وقيم حقوق الإنسان التى تتغني بها أمريكا وحلفائها من أغلب الدول الغربية، وكنا بصراحة تامة كعرب وكمجتمعات نامية عموما فى العالم الثالث نصدق هذه المقولة، فكنا ضحية لمناصرة مزاعم هذه الدول فى توجهها المخادع لهذه القضية على الأقل، لكن الأحداث التى مرت وتمربها المنطقة ثبتت وبالدليل القاطع بطلان هذه المقولة وتلك المزاعم، فقضية تطبيق قيم ومبادئ الديمقراطية وشعارات حقوق الإنسان من وجهة النظرالأمريكية والغربية وحلفائها، تعني بكل صلافه وعنجهية هي كل مايتفق وخدمة مصالحهم الإستراتيجية وتوجهاتهم السياسية والعسكرية، وأعتقد أنه لا يشك أحدا بعد اليوم فى ممارسة هذه الدول وفى مقدمتها أمريكا لهذه المواقف الماكرة المخادعة التى أتت بها بمسميات وألوان وشعارات مختلفة، والتى منها مباذرات الشرق الأوسط الجديد وغيرها من الخدع والممارسات التى تلعب بها أمريكا لإلهاء الشعوب عن الحصول على حقوقهم المشروعة والمنهوبة.

لكن الممارسات الأخيرة على سبيل المثال وليس الحصر، فى مواقف أمريكا والغرب عموما ضد الفيلم المسيئ للرسول الأكرم صلوات الله عليه وعلى آله، وكذلك الموقف الأمريكي من إعتداء إسرائيل على غزة، والذى وصفته وزيرة الخارجية الأمريكية بأنه دفاع عن النفس وأنه موقف كالصخر، بالرغم من القصف المدمرللمنشآت والمرافق الحيوية وسقوط وقتل عشرات الشهداء والجرحى من المدنيين الأبرياء، وأخيرا موقفها من الإعتراف بفلسطين كدولة مراقب فى الأمم المتحددة.

أقول أن هذا الإستهتارالمخزي فى هذه المواقف دلت وبرهنت، وبمالايدع مجال للشك على تناقض وازدواجية المعايير، التى تتبناها وتعترف بها وتطبقها أمريكا، فيما تطلق عليه بمزاعم شعارات ومبادئ حقوق الإنسان ودعم الحرية والديموقراطية، والتى لا تقرها إلا حينما تتقاطع مع خدمة مصالحها، أما حينما تعتدي حليفتها إسرائيل وتخرق كل قوانين الأمم المتحدة وكل أعراف الهيئات والمنظمات الدولية، فلابد وأن تجند أمريكا ومعها حلافائها دفاعهم عنها، والتصدى حتى ولو كان للعالم بأسره، سواء عبرتبريرإعتداءاتها والتصويت لها بقرارالفيتو سيئ الذكر، أوبالمشاركة معها بتقديم الدعم وكل الإمكانات المالية والعسكرية لها نهارا جهارا وعلى مرأى ومسمع من كل تلك الهيئات والمنظمات الدولية.

هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن معادات السامية من وجهة النظرالأمريكية والأوروبية، فلابد وأن تخضع لمعاييرومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وقوانين الأمم المتحدة، ولكن التعرض للإساءة للمسلمين فى العالم، فهويأتي من باب حرية الرأي والتعبيروإبداء وجهات النظرالشخصية، والمنطلقات التى تقوم على قواعد ومرتكزات حقوق الإنسان التى تعطي الحق لكل إنسان فى إتخاذ مايشاء من الممارسات، حتى ولوكان هدفها الإساءة لمليارونصف من المسلمين والحط من توجهاتهم وإزدراء مذاهبهم وعقيدتهم..!!

* أثبتت الحكومة العراقية بقيادتها الحالية، فشلها بعد مضى أكثرمن ست سنوات على تسلمها الحكومة لفترتين متعاقبتين بتحقيق الإستقرارونشرالطمأنينة والأمن والسلام فى ربوعها، وبالتالي عدم وضع حد للمجازروالمذابح التى ترتكب بحق المواطنين العراقيين الأبرياء، فضلا عن القصورالحاصل فى تأمين وتوصيل الخدمات الحيوية من قبل معظم القطاعات الحكومية العراقية للمواطنين، الذين مازالوا يئنون ويصرخون ويزئرون بالشكوى من تردى أوضاعهم وخدماتهم الضرورية.

فالمجازروالمذابح البشرية مازالت تتواصل، وفى عقردارها وترتكب وتكررربما فى ألأماكن نفسها، وعلى مرأى ومسمع من مسؤوليها وقادتها، دون أن تقوم الحكومة بعمل أي فعل رادع ومؤثر، من شأنه أن يوقف هذا النزيف الدموي وتلك المجازروالمذابح البشرية المستمرة بحق الأبرياء طوال وخلال كل هذه السنوات..!

وأغرب مايلفت الإنتباه فى أوضاع العراق الأمنية، هوأن هذه المجازرالبشرية التى يذهب ضحيتها الأبرياء من الشعب العراقي وجلهم من الطائفة الشيعية المستهدفة و«هذا ليس كلاما طائفيا فهذا واضح» هو أن لاتلقى هذه الأعمال الإرهابية الإجرامية الدنيئة المتجردة من كل القيم الدينية والأخلاقية، الإهتمام الكافي، بحيث تستنفروتحشد لها الحكومة العراقية كل إمكاناتها وطاقاتها وأجهزتها الداخلية والخارجية لإنهائها ووقفها.. سواء بحشد الإمكانات الأمنية والعسكرية والسياسية، والتفرغ لمجابهة هذا الإرهاب وإعطائه الأولوية القصوى لتجنيد كل الإمكانات والطاقات، من أجل الدفاع عن العراق ومواطنيه ومطاردة ومواجهة وملاحقة فلوله المستمرة التى تقتل الأبرياء، وباعتبارأن تلك حرب متواصلة تشن عليه وتهدد وتستهدف أمن وسلامة مواطنيه هذا أولا، وثانيا لا أعرف لماذا لاتقوم الحكومة العراقية بالإستنفار فى حشد إمكاناتها فى مجال العمل الدبلوماسي والإسلامي والإعلامي، عن طريق عقد المؤتمرات الداخلية والخارجية وعقد اللقاءات الإعلامية والصحفية اليومية، بواسطة المتحدث الرسمي للحكومة «لتسليط الضوء على ما يجري فى العراق من إستهدافات لقتل مواطنيه على خلفيات طائفية أو سياسية» خاصة وأن العراق يتذرع بأن هذا الإرهاب يأتيه مدعوما من قوى إرهابية خارجية، كما تقول الحكومة العراقية..!

وأظن أن مجرد إهتمام الحكومة بهذا الملف تحديدا، لتجنيد إمكاناتها لهذا الحشد وتكثيف إتصالاتها ودعواتها للهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية، وعلى رأسها منظمة التعاون الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي، وهيئات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، لإطلاعهم عن كثب على ما يستهدف العراق وقتل مواطنيه، أظن أن ذلك سوف يعطي رسالة إيجابية للتصدي لهذا الإرهاب الذى ربما عم خطره أرجاء العالم العربي والإسلامي..!

وأعتقد أيضا أن دعوة العراق لإمكانية عقد مؤتمرإسلامي لمناقشة قضية العراق للخروج بقرار إسلامي جماعي مسئول وموحد من خلال «المنظمتين الإسلاميتين» سوف يحد من هذه الأعمال، ويساعد العراق للتصدى لفلول الإرهاب والقضاء عليه.

كما أتساءل من جهة أخرى.. لماذا لاتحشد الحكومة العراقية حملة دبلوماسية على مستوى الجامعة العربية وعلى مستوى الأمم المتحدة، لإمكانية دعم العراق فى قضيته العادلة، وباعتبارأن هذه الأعمال الإرهابية تمس جميع الدول العربية، بدلا من هذا الصمت المطبق والتجاهل المكشوف على مايجرى من هدرلدماء العراقيين الأبرياء يوميا فى هذه الجرائم الإرهابية الطائفية المقيتة، من قبل المجتمع العربي والإسلامي والدولي، إلا عبرتلك المجهودات العراقية المحدودة وغيرذات الجدوى والتى لاتحضى بعناية كافية فيما يبدو..!!

وإضافة لتلك المآسي مازال الناس هناك يشكون قصورالخدمات كما أشرت فى العديد من المدن والأحياء والمناطق العراقية، ومنذ فترة طويلة ومنذ أن تسلمت الحكومة الجديدة وخلال كل هذه الفترة الطويلة، حيث لم تنجح حتى الآن ولوبنسب معقولة، لتامين تلك الخدمات التى يشكوالمواطن العراقي من نقصها، وهذا ما عبرت وتعبرعنه المظاهرات العراقية التى تخرج للشوارع، إحتجاجا على تردي الأوضاع الأمنية ومعاناة المواطنين العراقيين، الذين يبدون غضبهم من نقص معظم تلك الخدمات الحيوية والضرورية، إلى جانب إفتقادهم للأمن والأمان بسبب العمليات الإرهابية، فلماذا لاتقوم الحكومة بوضع نهاية لمعاناة المواطن العراقي الممتدة كل هذه السنوات دون جدوى، كما تظهروتبين ذلك الكثيرمن التقاريرواللقاءات والتصريحات اليومية التى تنقلها وسائل الإعلام العراقية..؟!

* لمواجهة حالات التشنج والإحتقان التى تفتعل هذه الأيام، على خلفيات الأحداث المتشابكة التى تشهدها الساحة العربية والإسلامية، هناك فى إعتقادي وسائل عديدة للخروج من هذه المآزق المأساوية المؤلمة التى تؤرق الأمة العربية والإسلامية، وذلك بجهد المخلصين من أبنائها في المؤسسات والهيئات المختلفة، ومن العلماء والنخب فى المجتمع العربي والإسلامي، لترجيح كفة ميزان العقل وتغليب الحكمة، للعمل بسرعة على حلحلة ومحاصرة وتجاوزهذه المحن قبل فوات الأوان، وقبل أن تستفحل شرارة النيران التى ستحرق وتلتهم الأخضرواليابس ولن تبقي ولن تذرلكل المكتسبات، فللأسف مانلمحه فى الأفق الآن وسط معمعة هذه البلبلة العارمة، من الضجيج والشحن على مستوى أغلب المنابروالقنوات والساحات، هومقدمة لناقوس الخطرودق طبول الحرب التى لا ولن يستفيد منها إلا الأعداء، الذين يتربصون ويكيدون المكائد لهذه الأمة.

وفى بلادي العزيزة أرجوأن تسهم المؤسسات التربوية والتعليمية، بجانب اللقاءات والفعاليات الثقافية والفكرية، التى تقام من هنا وهناك وعلى مستوى الوطن، أرجوأن تسهم فى جانب تعميق مفاهيم العدل والمساواة، وتلاحم الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية والحقد والكراهية والفرقة، وتكريس مسألة الإنتماء والولاء للوطن، فى أعماق قلوب ونفوس أجيالنا وشبابنا، فلاشك أن ذلك من الواجبات والأولويات المفروضة، التى يجب أن نكرسها فى حياتنا وحياة أبنائنا وأجيالنا الطالعة، لتعميق شعورنا وإحساسنا بحب الوطن وأهله، لنستطيع جميعا كشركاء فى هذا الوطن أن نبني ونشيد إنجازاته ومكتسباته، ونربي أبنائنا على الإلتفاف والألفة وحب الوطن، فلاريب أن حب البلدان والأوطان من الإيمان، والذى هو مرتبط إرتباطا مباشرا بتوجهاتنا وقيمنا الإنسانية والأخلاقية والدينية.

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»