آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 4:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

تحت سنابك الخيل!

ظننت أني أعرف الكثيرَ عن الكثيرِ من الأشياء، فلما كبر ابني وكان له حق مشاركة الطريق مع الكبار أحببتُ أن أتأكدَ أنه يعرف ماذا يختار من قوةِ السيارة، الآن أصبحَ الآن رجلاً ذو شارب، فلابد أن يمتلك سيارةً قويةً وجميلةً وسريعةً، تضاهيهِ في القوةِ والجمال. ومن أجل هذه المناسبة حدثته عن أروع المواصلات التي لم يستطع الإنسانُ أن يخلق مثلها ”الحصان“.

الحصان ذلك الحيوان الجميل الذي مهما جَدَّ من مركبٍ للإنسان يظل هذا الحيوان ذي الأربع قوائم يغريهِ بالقوةِ والمنظر والخيلاء، لكن ما يجذب الإنسان لاقتناء الحصان أكثر هو سرعته وثباته ومراوغته في الحرب والسلم. ولشدة ما أبهر الحصانُ الإنسانَ بسرعته صار يقيس القوة الميكانيكية في قوة الحصان. ولأن الأحصنةَ لا تتساوى في القوةِ كان لزاماً استخدام شيءٍ ثابت مثل ”الواط“ فأنتَ اليوم إن كنتَ تقود سيارةً بقدرة 100 حصاناً فإن قدرة سيارتك تعادل 74,6 كيلو واط.

لا يأنس الحصان بطبعه للإنسان مما يلزم أن يروضه، لكن عندما تجتمع المائة حصان تحت غطاءِ محرك السيارة يمكن حتى ”للحمار“ الذي هو أقل رتبةً وجمالاً ومحبةً من قيادتها، وحتى أنه يستطيع أن يزج بها وبنفسه وغيرهِ في المهالك. يجب أن يعلم من يقود الأحصنةَ الممتلئة بالطاقةِ والمتوثبة للانطلاقِ بأقصى قوتها أن الحروبَ التي ينفع فيها ذلك الحيوان انتهت ولم تعد قوة الحصان إلا رمزاً من رموزِ الفيزياء الحركية.

أنا كل يومٍ أستجدي الكثيرَ ممن يقود تلك الأحصنة أن يترك لي مساحةً من الطرق أشاركه فيها دون أن تدوسني حوافرُ خيوله. وبما أنني قاربتُ الفئةَ العمرية التي لا تملك الجرأةَ والشجاعةَ في السباقِ والحرب، أستعطفُ من يملك الجرأة والشجاعة أن يعلمَ أن الظفرَ ليس أن يحتقرني ويغلبني ولكن الظفر أن يستمتعَ بقيادة تلك الجياد المتجمعة تحت غطاءِ محرك السيارة دون أن يرهقَ نفسه بالسيطرةِ على عنانها ومنعها من أن ترميه وتدوسه بقوائمها.

عندما تجلس في المقعد غداً تذكر أننا نحن الذين نحول الجمادَ إلى آلةٍ نابضةٍ بالحياةِ والجمال، ونحن من يجعلها أجملَ حين نكون أعقلَ وأذكى وأكثرَ أدباً من الجماد، ونحن الذين نتسافل إلى مرتبةٍ أقل من الجمادِ وحتى الحيوان عندما نعتقد أننا نحن من لنا الحياة وحدنا وباقي الناس ”طفيليات“ لا تستحق الحياة، بل تستحق أن تسحقها حوافرُ خيولنا ودوابنا، ثم تصهل فوقها قبل أن تغطيها بالروث!

لن يهتم صانعُ تلك الأحصنة بموتك أو موتي وربما يحتفل حينما نشتري واحدةً جديدة كل يوم، إذاً شاركني تلك الأمتار القليلة لنعود أحياءً إلى بيوتنا حيث ينتظرنا من نهتم به! عندما كنا نتذاكر السلامة في العمل كنت أسأل: كيف تقنع أحدهم ألاَّ يموت؟ كيف تقنع أحدهم أن أسوأَ حياةٍ هي أفضل من موتٍ عديم الفائدة؟ كيف تقنع أحدهم إن كان يرغب في الموتِ أن يموتَ وحده؟

مستشار أعلى هندسة بترول