آخر تحديث: 16 / 9 / 2019م - 10:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

خيركم خيركم لأهله

أمير الصالح

في العالم الاسلامي هناك عدة مواسم دينية وعبادية توظف في جزء منها كمنصة للمثاقفة الاجتماعية والجماعية مع وبين معظم ابناء المجتمع او سكان الحاضرة الواحدة على عدة اصعدة. فعلى سبيل المثال هناك موسم رمضان العبادي الروحي حيث تنصب في جزء كبير منها على المثاقفة الروحية وتلاوة القران الكريم وقراءة تأملية لـ الادعية المروية عن النبي وآل بيته الشريف وكذلك تحسس تفقد احوال ابناء المجتمع كل منهم للاخر وتجديد العلاقة بقيم التوحيد وتعميق التضامن الاجتماعي مع الطبقات الاجتماعية المختلفة. وهناك ايضا موسم الحج العبادي السنوي وهناك موسم شهر محرم الحرام حيث الابداع في مراجعة الاداء الوظيفي للمجتمعات وقياس ثيرموميتر الايمان وبوصلة الالتفاف حول رمز الحق «الامام الحسين» وتحديد الاهداف الجديدة وتجديد العهد ب قيم الوفاء والتضحية والصلابة على الحق.

الا انه مع سوء استثمار المواسم تلكم وكثرة ا لمماحكات من البعض او سوء توظيف المنابر من البعض الاخر، يخسر عدد كبير من ابناء المجتمع مكاسب جمة، نتيجة لانغماس البعض في النقد السلبي او التصييد في الهفوات او يتخذ البعض موقف الانزواء عن الساحة الثقافية والحراك العلمي والاجتماعي او... او.. الخ.

اتقدم بين ايدي القراء الكرام بضرورة تنشيط كل ذي فكر وقلم وادب وشعر وتصوير و.. و... تنشيط فكره وقلمه ونتاجه للارتقاء بالحياة من حوله ولمن هم حوله نحو خلق تفاهمات وانسجام اكبر وانصهار اجتماعي اكثر.

لعله من اسوء الاعمال التي يعملها البعض في الواسم هو توظيف تلكم المواسم الروحية والعبادية والرمزية لاطلاق حملات تسقيط او ترويج لاسماء معينة او توظيف المنابر غير موضوعيا او ادخال بعض الديوانيات في نقاشات عقيمةاو اسعارها لاغراض ومآرب شخصية. من اكثر ما اضحكني واحزنني في هذا الموسم:

- تجنيد بعض ابناء المجتمع الطاقات الكثيرة لرصد معظم هفوات الخطباء لغايات لم اقف على معرفتها الى الان واني لا احسن الظن بالجميع؛ ومعظم المنصفين يشخصون اولئك الخطباء على انهم من الباذلين جهودهم واوقاتهم وبحوثهم لرفع مستوى الخطاب الجاد والعصري والعقلي ورفع مستوى الوعي. واننا نؤمن بضرورة النقد الهادف ونسال الله ان يتواصل الناقد والمنقود مباشرة لترميم الخلل والارتقاء بالخطاب والابتعاد عن التشنيع او التسويق التسقيطي لان فقدان الحوار خسارة للجميع. وقديما قيل «من قتل اسوده حضوة في رضاء غيره، سيولون عليه كلابهم»

- ادراج احدالخطباء بعض اسماء لـ الاشخاص حديثي عهد بالكتابات والفلسفة ومن هواة القراءة على انهم قامات علمية واشار هو لبعض منهم بالبنان حتى جعل جملة من الناس يُفتشون عنهم وعن انتاجهم العلمي. والواقع هو لا يتعدى ان التعرف بين الخطيب وبعض من اشاد بهم تعرف عن طرق التواصل الاجتماعي وليس لبعض من اشاد بهم اثار او انتاج علمي يُشاد به علميا! فلا اعلم كيف تساقطت سهوا او انفعالا الاوسمة حتى عبر احد الاخوان بالتعليق قائلا talk is cheap.

- كذلك سوء توظيف كلمة ”مقدس“ ومشتقاتها واخواتها لصد ومنع اي نقد فاعل او اسقاط ادراكات العقل في مدارسة الموضوع المنعوت ب تلكم الصفات وهذا غير منصف. فالنقد البناء يخدم المنقود اذا كان الهدف هو البحث عن الحقيقة دونما مجاملة او نفاق او تزليف. واذا كان هناك نقد سلبي تسقيطي فمن الجيد ان يستثمر المنقود ما يقوم به اخطاءه ويتجاوز ما يراد به اسقاطه. فلقد قيل قديما ”الضربة التي لا تميتك تقوي صلبك وتريد من مهاراتك“.

من ناحية اخرى بعض المثقفين فرضوا انفسهم اوصياء على المجتمع وهم في ذات الوقت يرون ذاك البعض ان بعض رجال الدين هم من يفعل ذلك وهم من نصبوا انفسهم اوصياء على المجتمع. وقد لايدرك بعض المثقفين انه تم توظيفهم بشعور او بدون شعور منهم في اسقاط بعض الظواهر المنسوبة للدين كما تم توظيف بعض المتدينين في حقبات زمنية اخرى سابقة لاثارة مشاغبات مزعجة داخل المجتمع ضد من لم يكن معهم. ازعم بانه معظم ابناء المجتمع يبحثون عن الهدوء والنمو والاستقرار والتمكيين والكرامة المالية وتوفر الخدمات الحياتية وانتعاش الارواح وحسن التعاضد وضمانات افق ارحب في المستقبل. اطالب البعض من المثقفين العرب عدم تقمص دور التنويريين الاوربين في القرن الثامن عشر بتبني روح الصراع مع الدين واحترم فيهم تبنى دور طرف الصراع مع انماط التدين المتضخم او المزور وهذا فرق كبير بين هذا وذاك في الاهداف والآليات. ومن ناحية ثانية اثني واشد على ايدي وامجد روح الخطباء ورجال الدين الاوفياء والصادقين على جهودهم الحثيثة وتوظيفهم الفطن لايصال الرسالة المحمدية النقية والاصيلة التي تُكرس معاني الكرامة والاحترام وحفظ الحقوق واحترام العقول لبني البشر بالعموم وللمسلمين بالخصوص.

ولعله ونحن في هذه اطلالة العام الهجري الجديد لعله من الجيد ان تُعقد مجالسات تضم كل الاطياف الاجتماعية الفاعلة من مثقفين ورجال دين وخطباء وتجار وشباب فاعل قبل مدة زمنية كافية، شهرين او اكثر، من انطلاق الموسم المحتفى به لتدارس المواضيع المهمة التي يجب طرحها والاهداف المنشودة عند تناولها، والترفع عن التراشق او نصب الفخاخ او التصييد على الهفوات؛ واهيب بالجميع ب السعي الدؤوب لحلحلة الازمات وفك عقد المخاطر وايجاد حلول تطلق وتعزز روح الانتماء وروح النمو والاعتزاز. فان نجاح الجميع في تسيير هكذا برامج وتدارس قد يريم لنا طريق ومصداق مع الحديث النبوي الشريف ”خيركم خيركم لاهله“.