آخر تحديث: 16 / 9 / 2019م - 10:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحلول الفضائية

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

قبل سنوات، قال سياسي عراقي إن تحقيقاً داخلياً كشف عن آلاف «الجنود الفضائيين» على قوائم رواتب الجيش. وعلمنا فيما بعد أن المقصود بالفضائي هو الاسم الذي لا مسمى له. فقد يكون اسماً لشخص ميت، أو لشخص لم يولد أصلاً.

«الحلول الفضائية» مثل نظيرتها العراقية، أسماء بلا مسمى، لكنها بالطبع ليست في الجيش. بل في الجدالات اليومية لدعاة الإصلاح الديني.

ويغلب على ظني أن القراء الأعزاء كافة يعرفون الحلول والنظريات الفضائية، ولعل بعضهم يستعملها أيضاً. وكنت التفت إليها حين قرأت للفقيه المعاصر مجتهد شبستري، حديثاً عن «الحلول الميتافيزيقية»، وهي مرادفة لأختها الفضائية. وتنطبق على قصة رجل جِيء به لمحكمة يرأسها عالم رفيع الشأن. فتحدث الشيخ أولاً عن عدل الإسلام، وسبقه للغرب في إقرار حقوق الإنسان وضمانه للحريات الإنسانية كافة. لكنه في نهاية الجلسة، حكم على المتهم بالسجن، لتأليفه ونشره كتاباً يعارض آراء فقهية مشهورة، ويدعو لاستبدالها بقانون وضعي.

وفقاً لتعريف شبستري، فإن الحلول الميتافيزيقية هي تلك الأجوبة السجالية التي تقول إنه يتوجب علينا البحث عن الحلول والأجوبة في التراث، لأنه من عند الله، فهو يحوي جواباً لكل سؤال، وحلاً لكل مشكلة.

حسناً نحن نصدق هذا... لكننا نريد أن نراه في أرض الواقع. لسنا بحاجة لمن يخبرنا عن سبق الإسلام للغرب في إقرار الحريات الشخصية، بل نحتاج للإقرار بحق الأشخاص الذين معنا في أن يعبروا عن رأيهم، حتى لو تعارض مع معتقداتنا أو فقهنا. نحن ندعو حراس العقيدة إلى تبني مبدأ حرية الاعتقاد والعبادة والتعبير عن الرأي في الدين وغير الدين، كي نصدق أنهم يؤمنون بما قالوه عن سبق الإسلام إلى حقوق الإنسان وتفوقه على الغرب في حمايتها. إن حديث القاضي عن عدالة الإسلام ليس سوى حل فضائي لا علاقة له بالواقع أصلاً. أما الذي جرى في الواقع فهو أن شخصاً عُوقب بالسجن دون أن يرتكب جرماً، سوى تعبيره عن رأيه بطريقة متمدنة.

أظن أن الصلة بين الجنود الفضائيين والحلول الفضائية قد اتضحت الآن. فهذه وتلك أسماء وحقائق مفترضة، يتحدثون عنها ويقيمون لها اعتباراً، لكنها غير موجودة في أرض الواقع.

لقد ذكرت مثال حرية التعبير، لا سيما نقد الخطاب الديني، لأنه واضح ومتكرر. ولأن منع النقد مدعوم بفتاوى وروايات. ولأن أشخاصاً قتلوا وآخرين سجنوا أو جردوا من حقوقهم المدنية، بعدما مارسوا ما يفترض أنه حق أصلي في التعبير عن الرأي.

لكن عدا هذا فهناك مسألة التجديد، ومكافحة الفقر ومنع الاستغلال وحماية الضعفاء وقضايا المساواة والعدالة التوزيعية... إلخ.

والذي ألاحظه أن أصحاب الحلول الفضائية يمارسون لعبة ظريفة: حين تقول مثلاً إن المعاملات التي ابتكرها الفقهاء لتحليل معاملات البنوك، لا تعالج المشكل الأصلي، أي الاستغلال، سيردون عليك بآيات وأحاديث تؤكد على العدالة والرحمة بالضعيف... إلخ، فإذا جادلتهم بأن هذا مجرد توجيه وإرشاد، وأن المهم هو ما حوله الفقهاء إلى فتوى أو قانون، أجابوك بأنهم أهل الاختصاص في معرفة النص، وربما تواضعوا قليلاً فقالوا إن تقصير الفقهاء لا يعني قصور الإسلام. لكننا نعلم أن هذه الأجوبة كلها فضائية، تحاول إبعاد الأنظار عن موضوع السؤال الأصلي، بطرح موضوع جديد، يحول النقاش إلى نقاش حول الأسماء، بدل الموضوعات والوقائع. هذه ببساطة فكرة الحلول الفضائية.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.