آخر تحديث: 16 / 11 / 2019م - 5:14 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قربان الامة

محمد أحمد التاروتي *

نقل المؤرخون لسيرة كربلاء عن السيدة زينب بعد مصرع اخيها سيد الشهداء قولها ”اللهم تقبل منا هذا القربان“، حيث مثل ردة فعل الحوراء على رؤية الدماء تشخب من جسد الامام الحسين انسجاما كاملا مع التسليم لارادة الله، اذ لم يصدر منها سوى الإذعان لمشيئة الخالق، فالموقف العجيب على جميع مصائب يوم عاشوراء يكشف الشخصية العظيمة لام المصائب في تجاوز الحسرة والألم لمواجهة القادم خلال رحلة السبي الطويلة.

تداعيات معركة كربلاء الخالدة بما تحمل من اهوال ومحن، بدأت منذ اللحظة الأول لاندلاعها في اليوم العاشر، حيث ساهمت في احداث حالة من التقريع الذاتي، لدى شريحة من أبناء الامة الإسلامية، نظرا لانعدام جميع اخلاقيات الحروب، وكذلك التخلي عن القيم الإسلامية، والأعراف العربية، لاسيما وان الجيش الاموي المشارك في ارتكاب الجريمة الكبرى، ساهم في نشر جزء من الجرائم، تجاه الامام الحسين واهل بيته وأصحابه، فحرق الخيام وعمليات السلب تكشف احد جوانب الانحطاط لدى الجيش الاموي.

”قربان الامة“ اعطي محفز لدى للاحرار، لمواجهة الضيم والظلم، فالامام الحسين مثل مجموعة القيم في معركة الطف، من خلال تقديم اسمى معاني العطاء، والصبر على المصائب عبر التسليم الكامل لمشيئة الله، وعدم اظهار الضعف، او التسليم لارادة الجيش الاموي، حيث تنقل كتب السيرة دعائه ”إلهي!.. رضا بقضائك، وتسليما لأمرك، لا معبود سواك، يا غياث المستغيثين“.

يمثل دعاء السيدة زينب قمة الذوبان في طاعة الله تعالى، خصوصا وان المعركة تمثل الحق ضد الباطل، فالامام الحسين جسد جميع القيم والمبادئ، وكونه حجة الله على الأرض، فضلا عن كونه سبط المصطفى، مما يعني ان فاجعة الطف ليست بمنأى عن إيقاف الانحدار الممنهج، لحرف الامة الإسلامية عن الدين الإسلامي، الذي جاء به سيد الرسل ﷺ، وبالتالي فان المعركة جاءت امتثالا كاملا، وقربة لله تعالى، خصوصا وان جريمة الطف إشارة واضحة على محاولة قتل القيم الإسلامية، في سبيل نصرة المبادئ الجاهلية والتعصب العربي.

بالإضافة لذلك، فان ”القربان“ إشارة واضحة على بدء الانعطافة الكبرى في التاريخ الإسلامي، فالتاريخ قبل معركة طف مغاير تماما عن بعدها، لاسيما وان الدماء التي سالت على ارض كربلاء، شكلت علامة فارقة لدى الاحرار، وأصحاب الضمائر الحية، مما انعكس على قيام الكثير من الثورات، على الحكام سواء ابان الدولة الاموية، او خلال الدولة العباسية، حيث مثلت فاجعة عاشوراء شعلة لتلك الثورة، خصوصا وان أصداء خطب الامام الحسين تصك مسامع التاريخ على الدوام، وبالتالي فان ”القربان“ زرع ثقافة قادرة على تحريك النفوس، باتجاه رفض الظلم وعدم السكوت على الضيم، لاسيما وان معركة كربلاء تحمل في طياتها الكثير من التفاصيل المفجعة وغير المألوف على الاطلاق.

الحوراء بدأت عملية تجسيد ”قربان الامة“، في جميع محطات رحلة السبي الطويلة، حيث بدأت بتحمل مسؤولية بشرح اهداف معركة كربلاء، فور استشهاد الامام الحسين ، من خلال الوقوف امام الجيش الاموي، وعدم اظهار الانكسار بالرغم من الاعمال الاجرامية، والممارسات غير الأخلاقية، التي ارتكبت سواء الضرب او غيرها من الاعمال المأسوية.

عملية ترجمة اهداف ”قربان الامة“ تتطلب وجود عناصر، قادرة على خلق ارتدادات كبرى، في جسد الامة، من خلال كشف الزيف وفضح الكذب الذي مارسته السلطة الاموية، الامر الذي تمثل في موقف السيدة زينب في مجلس عبيد الله بن زياد، بعد وصول موكب السبايا الى الكوفة، ”ما رأيت الا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجهم وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا ابن مرجانة“ كما ساهمت في ترجمة ”قربان الامة“ في مجلس يزيد بن معاوية بقولها ”فهو الله ما فريت الا جلدك، ولا حززت الا لحمك، ولتردن على رسول الله بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في ذريته ولحمته“.

كاتب صحفي