آخر تحديث: 16 / 10 / 2019م - 9:36 ص  بتوقيت مكة المكرمة

دفنُ عاشق

كنتُ في سفرٍ قصير فرأيت لمةً من الناسِ قبيل الفجر يدفنونَ ميتاً فقلتُ هذا عاشقٌ آخر قد مات. من كانوا يدفونَ الترابَ فوقه ويضعون الأخشابَ فوق قبره كلهم عشاقٌ يسرعون ليعودوا إلى محبوبتهم خوفاً من أن تهجرهم كما هجرت الميتَ الذي للتو كانوا يمشونَ خلفه مُهطعي رؤوسهم استسلموا لحقيقةِ أنه مات، لكنهم لم يؤمنوا بعد أن معشوقتهم تقتلهم أيضا.

كلنا عاشقُ دنيا وهي تخادعنا، تواصل هذا يوماً وتنام مع غيرهِ سنوات، وكلنا يغفر لها ذنوبها. تقول فينا كلمةَ غزلٍ نبث في الأرضِ قصائدَ مدحٍ وغزل ولهاً بها. حتى في دفنِ عاشقٍ منا نراه يذهب تحت الأرضِ سريعاً ننفض الترابَ عن ملابسنا خوفاً على هندامنَا أن يتسخَ وتغضب العشيقة. تأتينا نصائحُ من خانتهم كل يوم ابتعدوا عنها، هي لا تستحق كمية الود منكم. وكيف نسأل؟ من لنا غيرها يجعلنا نتقاتل ونتصارع ونرتكب الخطايا ويحرك فينا القوى الكامنةَ والجامحةَ والطامحة؟

ثم كيف لا نعشقها وفيها عرفنا اللذات التي تذوقناهَا بجوارحنا كلها، ولم نرتمي في حضنِ غيرها! هذا كلامُ عاشقٍ الآنَ دفن عاشقاً قد مات، من يصدق! قليلٌ من الناس كشفت لهم هذه العشيقة عن مفاتنها ومحاسنها ودعتهم لمصاحبتها ووعدتهم بأنها سوفَ تكون مخلصةً لهم دون غيرهم، لكنهم قرأوا ما خَطَّ من قبلهم في حفر الموتى ”هنا رقد ومات كلُّ العاشقين وهناك بقي غيرهم“.

لكل العاشقين جملة واحدة: تجتمع الخطايا عندما نضع ودَّنا في من لم تفِ لمن قبلنا بالوصال. خذوا منها ودعوا، هي التي تحب أن ترى دموعَ الناسِ على موتاهم.

مستشار أعلى هندسة بترول