آخر تحديث: 16 / 10 / 2019م - 9:36 ص  بتوقيت مكة المكرمة

العشبُ الأخضر

لم أحتج فجرَ اليومِ رجلَ أحوال الطقسِ الذي يقف نهايةَ نشرة الأنباء يقرأ ما سوف يكون عليه الطقسُ عندنا وفي مدنٍ بعيدةٍ وقريبة منا. كاد أن يختفي الرجلُ من شاشاتِ التلفاز ولكنه سكن في أيدينا طوالَ اليومِ والسنة دون أن يغيبَ عنا لحظةً واحدة. في فجرِ اليوم كان انسيابُ الهواءِ ونعومته تُنبأ دون شكٍّ بدخول فصلِ الخريف بعد أشهرٍ من الصيفِ الحارق ظننا أن صورةَ جهنم كانت ماثلةً فيه.

ارتخت قبضةُ الشمس قليلاً ومالت، فاستجابت لها شجيراتُ حديقتي الصغيرة بمختلفِ رداتِ فعل التغير والتغيير. لم يعد العصفور يحتار من أي صنفٍ من الثمار والتمور يأكل، قارب معظمها على الإنتهاء فعاد يقبل بما أعطيه من فتاتِ الخبز وبقايا الطعام ويقتات في عفويته على الوريقاتِ الناعمة من الخضارِ التي زرعتها رجاءَ أن أصيب شيئاً من ثمرها بعد أشهر! غاب في فصل الصيف ولكن بوصلته التي تدله على الطعامِ والماء تعرف أين تأخذه من أجلِ أن يبقى حيَّاً.

امتلأت أغصانُ الفل والياسمين بالأوراقِ الخضراء والورودِ الحمراء والبيضاء، عبأت بعبقها الزكي تجاويفَ الهواءِ الذي كانت جزيئاتُ الماءً والرطوبة تسكنها قبل أيام. بقيةُ الأشجارِ أعادت ما عليها من كسوةٍ بديعةٍ كان الصيف قد عرَّاها منها في انتظارِ أن تعودَ إلى السكونِ والجمودِ مرةً أخرى في فصلِ الشتاء. والقليلُ من الشجيراتِ التي لم تستطع أن تقاومَ الحرارةَ والجفاف انتهى أمرها لتكون وقوداً حين يأتي بردُ فصلِ الشتاء.

في كل يومٍ وفصلٍ من السنةِ ترسل لنا الطبيعةُ من حولنا رسائلَ تدعونا فيها للتجديدِ وأن نتجردَ ونتعرى من الثيابِ الرثة التي تعيق حركتنا وتقدمنا وتقلل من عطائنا في دنياً فيها كثيرٌ من المتغيرِ في ثابت والثابت في متغير. لم تبق إلا النخيلات الأصيلة التي عرفت كيف تقاوم حرارةَ الصيفِ وبرودةَ الشتاء، تسكن عندما تقتضي الحياةُ السكون وتفور عندما تحتاج الفوران محتفظةً بأوراقها الخضراء في كلِّ الفصول. جاء الخريفُ ثم يأتي الشتاء، أياماً نعيش في رغدها قليلاً قبل أن تعودَ مرةً أخرى فها هي الحياة تنادينا: تعالوا، جددوا، امشوا معي متى ما مشيت وقفوا معي متى ما وقفت وطئوا عشبَ الأرضِ النابتِ فوقي قبل أن ينبتَ من ترابكم وفي جماجمكم!

أما أنت أيها العصفور سوف أقول لك سِرَّا إن كانت لك أذنان: تعال وكُلْ كلَّ فتاتِ الخبزِ واشرب ما أحببتَ من الماءِ فلن أصطادك، شرط أن تغني لي لحناً واحداً كلَّ صباح، ثم تسمع أنتَ مني اللحنَ الثاني...

مستشار أعلى هندسة بترول