آخر تحديث: 16 / 10 / 2019م - 10:31 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الوعي.. العاطفة

محمد أحمد التاروتي *

يفضل البعض الانسياق وراء بعض الصراعات الكبرى، والمعقدة بدون وعي وادراك، مما يجعله وقودا لمعركة ”لا ناقة له فيها ولا جمل“، حيث يتخذ من العاطفة مدخلا للانخراط في تلك الصراعات، مما يفقده القدرة على القراءة الدقيقة او الاختيار الصائب، نظرا لوجود ”نظارة“ سوداء تحجب الرؤية السليمة، الامر الذي يترك تداعيات سلبية على طبيعة العلاقة المستقبلية، مع مختلف الأطراف، جراء الانحياز وراء احد الأطراف بطريقة ”ساذجة“ للغاية، ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا.

لعبة الكبار تتطلب ادخال الصغار في الساحة لمواصلة الصراع، لاسيما وان الكبار يفضلون البقاء بعيدا عن المعركة، وعدم التضحية مهما كانت الأسباب، من خلال مراقبة المشهد عن بعد، الامر الذي يدفع لمحاولة استمالة بعض ”السذج“ للدخول في المعركة، اذ يستخدم الكبار مختلف الأساليب في سبيل استقطاب الصغار في الصراع، فالتاريخ يسحل ان غالبية الضحايا في مختلف المعارك من ”السذج“ بالدرجة الأولى، لاسيما وان إزالة الحجب عن عيون ”الصغار“، يكشف الكثير من الخفايا والأغراض الحقيقية، مما يقود للانسحاب من المعركة جراء ادراك الصغار، حجم الخسائر المترتبة على استمرارية الانخراط في الصراعات، الامر الذي يفسر إصرار الكبار على إبقاء الصغار في حالة اللاوعي على الدوام.

العاطفة سلاح قاتل في أحيان كثيرة، باعتبارها غير قادرة على كشف الحقائق، وتضع حجبا كثيفة امام تمنع العقل للتحرك بطريقة واعية، الامر الذي يفسر الاختلاف الكبير بين التحرك العقلاني، والانخراط العاطفي في الصراعات، فالاول ينطلق من دراسة دقيقة للصراع من جميع النواحي، مما ينعكس على اختيار وقت الانخراط ووضع جميع الاحتمالات في الاعتبار، من اجل تفادي الوقوع في الخديعة او الخسارة الفادحة، فيما الثاني ينطلق من الحماس العاطفي، بغض النظر عن التداعيات المترتبة، على الانسياق غير الواعي في اتون الصراع، الامر الذي ينتج عنه الخسارة الكبيرة، وعدم القدرة على الخروج من الصراع، نظرا لفقدانه جميع الأوراق الرابحة، وتسليم رقبته لاحد الأطراف، دون وضع خط للرجعة.

الكثير من الصراعات مرتبطة بمصالح متعددة، وتتحرك لتحقيق المزيد من النفوذ، على حساب الطرف الاخر، مما يتطلب وضع اطراف في فوهة المدفع على الدوام، بحيث يدفع الكبار لايجاد عناصر قادرة على التضحية باستمرار، فتارة يستخدم الخطاب القبلي عنصرا للخداع، وتارة أخرى بواسطة الخطاب الطائفي، مما يسهم في استثارة الجانب العاطفي للاستقطاب، لاسيما وان العاطفة تلعب دورا كبيرا في احداث ”هيجان“ كبير، الامر الذي يصب في مصلحة صراع الكبار، على حساب مصالح الصغار، خصوصا وان المبادئ تختفي في غالبية الصراعات القائمة، فهي تنظر للمصالح الخاصة بعيدا عن الالام والويلات، التي تصيب الصغار جراء الانخراط في تلك المعارك.

يحاول الكبار تقديم بعض التنازلات الهامشية، في سبيل خداع الصغار، حيث يحاول رمي ”الفتات“ من المصالح، لادخال بعض الطمأنينة في نفوس ”السذج“، من اجل استمرارية الولاء والتضحية، وكذلك في سبيل استقطاب المزيد من هذه الشريحة ”غير الواعية“، حيث يحاول الكبار قراءة اتجاهات الصغار، لوضع الخيارات المناسبة، فهناك شريحة تتحرك طمعا في كسب الأموال، وشريحة أخرى تنطلق من دوافع قبلية، وثالثة مدفوعة بالشعارات البراقة، وبالتالي فان كل شريحة يتعامل معها، وفقا للقناعات التي تحركها.

الوعي يمثل الضوء الذي يقضي على ضبابية وخداع الكبار، فالمرء الواعي لا يتحرك بسهولة، ويحسب كل خطوة بدقة، خصوصا وان الانخراط في المعارك يجلب الويلات، والخراب على الجميع، مما يستدعي انتهاج سياسة مغايرة للدعاية المركزة من الكبار، في سبيل تحشيد الصغار، لاستخدامهم حطب في نار تلك المعارك الضارية.

كاتب صحفي