آخر تحديث: 20 / 11 / 2019م - 11:56 ص  بتوقيت مكة المكرمة

من هو المثقف.. وإلى أين؟!

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

مررتُ على رصيف للكتب في أحد أرصفة القاهرة، وقد لفحتها أشعة الشمس والغبار وعوادم السيارات، ولا أحد يلقي نظرةً عليها، طالعتها بنظرةٍ أعادت لي سنوات من عمري قبل عصر الجوالات الذكية، والتواصل الاجتماعي، وسرعة الوصول للمعلومة عبر محركات البحث، والكتب الإلكترونية، في تلك السنوات كان تصفّح الكتب وشراؤها من الطقوس التي تعوّدتُ عليها في تنقّلاتي وسفراتي.

هل ما زالت الثقافة تُقاس بعدد الكتب والتمكّن اللغوي، بغض النظر عن تأثيرها في توصيل المعلومة الهادفة والموضوعية، والتي تهمّ الفئة المتلقية.

نعايش الإقبال على مشاهير النت، والمحتوى الجاذب للجماهير، والذي غالبًا يخلو من معايير الثقافة المتعارف عليها.

فلا أحد يهتم بالمستوى الأكاديمي لمَن يُقدّم المعلومة حتى المعلومة الطبية، بل إن الناس قد يتتبعون مشهورًا بغض النظر عن تأهيله في معلومات دقيقة وخاطئة، ولا تُصدّق متخصصًا يفتي في تخصّصه.

يواجه المثقف أزمة حقيقية في عصرنا الحالي، حيث إنه بالمفهوم المتعارف عليه قد لا يكون جاذبًا للجمهور، ولا ينال التقدير، وكما يُقال: ”الثقافة ما توكلش عيش“؛ مما يمثل خطرًا على الفكر المتعقل في حصر هذا المصطلح على اللغويين في برجهم العاجي، والذين ركّزوا على فنون اللغة مقدمًا على المضمون، وتبسيط المعلومة التي تصل للمتلقي، مهما كانت ثقافته؛ لترقى بتفكيره ووعيه، وكذلك بانسحاب المثقف عن واقع لا يجد فيه نفسه بظل الإقبال على التفاهة والسطحية، يشهد على ذلك مستوى الإقبال عليها، مقابل الصوالين الأدبية والثقافية والمعلوماتية.

لسنا نحن في السعودية فقط مَن نمرُّ بهذه الأزمة، فقد سبقتنا دول تكلّمت عن هذا في مضمون طرحها، حيث كان مجد الراقصات ونفوذهن يعلو على مكانة الكاتب والأديب والشاعر والعالم.

يقول إدوارد سعيد في كتابه المثقف والسلطة: ”.. ولا يشوّه أداء المثقف أو المفكر في الحياة العامة شيء، قدر ما يشوّهه التشذيب والتهذيب، أو اللجوء إلى الصمت حين يقتضيه الحرص، أو الانفعالات الوطنية، أو الردة والنكوص بعد حين، مع تضخيم صورة ذاته.. فالمثقف الحق يتقاعل مع أوسع جمهور ممكن أن يتوجّه إليه ولا يستهجنه، فهذا الجمهور الواسع هو السند الطبيعي الذي يستمد منه المثقف قوته، وليست مشكلة المثقف، كما يناقشها جون كيري مؤلف كتاب «المثقفون والجماهير: رواية «الكبرياء والتحيز» في عيون المفكرين من الأدباء من عام 1880إلى 1939»، هي المجتمع الجماهيري كله، بل إنها تتمثل في ذوي السلطة بداخله، أي في الخبراء، وفي الشلل أي الجماعات المؤتلفة على أساس المصالح أو الأيديولوجيا..“.

الإحساس بالأمان هو أحد وسائل الإبداع، ومن ذلك الأمان النفسي والمادي.. والتاريخ نقل لنا أسباب ازدهار الثقافة وانحطاطها.

في عهد المأمون العباسي، كان الكاتب يُعطَى وزن كتابه ذهبًا، بينما كان الترهيب وتكفير الكاتب وتقييد حريته التعبيرية، كما في العصور المظلمة بأوروبا أو حتى الدولة العثمانية سببًا في تقييد المعارف.

الثقافة هي عنوان للحضارة، وقد حرصت الحكومة السعودية على تخصيص وزارة للثقافة، والتي نطمح منها لرعاية المثقفين، وكُتّاب الرأي، وتحفيز المثقف السعودي والكتاب وقنوات التواصل التي تُظهره وتبرزه على الساحة بعيدًا عن أطر الشللية والعلاقات والتنميط التقليدي لصورة المثقف.

مديرة إدارة التوعية الصحية في صحة الرياض- استشارية طب أسرة، أخصائية صحة عامة وإدارة الأنظمة الصحية وإدارة الجودة