آخر تحديث: 20 / 11 / 2019م - 12:05 م  بتوقيت مكة المكرمة

أمي.. جمال الشجرة وثمارها

محمد الحرز صحيفة اليوم

كي ترى جمال الشجرة ونضارتها وظلالها عليك النزول من فوقها، عليك الحذر حين النزول أن تهدم أعشاش عصافيرها أو تطلق صفيرا يرعب أطفالها، أو تدهس بقدميك ثمارها الوارفة، ثم عليك الابتعاد قليلا حتى تكون في مرمى ناظريك بالكامل، عندها عليك أن تجز الأعشاب الضارة من نظراتك، وأن تفتح صنبور الماء عن آخره حتى تتهيأ حدائق جسدك لاستقبال كل التفاصيل الدقيقة من هذا الجمال.

ولأن الأشجار هي النظرة الواحدة للأفق، النظرة الواحدة من السطح إلى السطح، من الحبل الممدود من ضفة إلى ضفة أخرى والأقدام تمشي فوقه ولا تقع في البحر. لكنها لا تتشابه في حنينها إلى الجذور، رغم انتفاء المسافات الطويلة فيما بينها غير أنها تدرك في عمق أنساقها أنها ابنة الأرض، وما يخرج منها هو الصراخ الذي نسميه الحياة، وحينما يخبو بطيئا بفعل الموت تقذفين أنت أنفاسك فيها لتعود الصرخة من جديد ملأى بأشياء العالم.

هكذا هي أمي، هكذا هي أمهات العالم، لم أحضن شجرة بكامل خضرتها وأغصانها وثمارها في الحياة سوى أمي.

لم ألتفت يوما ما للكتابة عن أمي، رغم أن كل الكلمات التي تربت في بيتي ونامت فوق سريري وأكلت من طعامي وسمعت حكاياتي وحفظتها عن ظهر قلب، تعرف أن أنفاسها في الحياة هي أنفاس أمي، وأن ذاكرتها هي يد أمي الحانية عليها كلما قتلتها الوحدة وأتعبها الحزن حين أهملها ولا أستدعيها للكتابة.

هل لذلك علاقة بعدم معرفة أمي للكتابة والقراءة؟!

أم أن الأمر لا يعدو عن كوني من فرط التصاقي بالشجرة لم أشعر بوجودها في حياتي؟!

وهل الكتابة بهذا الاعتبار هي المعادل الوجودي للذين نحبهم، إذا لم نكتبهم يعني أننا لا نحبهم؟!

«معصومة» اسم أمي. وهي البكر لوالدها من مجموع اثني عشر ابنا بين إناث وذكور. حيث عاشت وتربت مع والدها متنقلة بين الكويت والبحرين واستقرت أخيرا مع والدي بعد زواجها منه في مدينة الأحساء. بسبب هذا التنقل والترحال لم يتسن لها التعلم والدراسة حتى فيما كان يسمى بالكتاتيب التي كانت توجد في أغلب الحارات قديما. لقد تفرغت تماما للأعمال المنزلية والإنجاب كما هي عادت الأمهات في ذلك الزمن.

تربيت وأخوتي في حضنها، ودرجنا على سماع صوت كلمة «أمي» وهي تتردد صداها في أرجاء البيت، حتى والدي إذا ما أراد أن ينادي عليها يقول: «أم نجيب.. يا أم نجيب» - أخي الأكبر اسمه نجيب - والنساء من أهل الحي والقريبات من العائلة كن ينادين عليها ب «أم نجيب». وكأن الاسم سقط فجأة من الألسن على الأرض، حين تبينوا أن المسمى امرأة، هكذا هي الأعراف كما تربينا عليها.

أين اختفى اسم أمي؟! هل يعقل كل هذه السنين ولم نتفطن إلى هذا الغياب إلا في الأوراق الرسمية بين حين وآخر؟!.

لم نتفطن ولم نجرب أن نصعد بكلمات اسمها إلى أعلى السطح ونطيره في الهواء مثل طائرة ورقية تحلق عاليا، وكلما خفنا عليه من الضياع شددنا الخيط إلى الوراء حتى يعود الاسم ثانية إلى شفاهنا سالما.

قد يبدو لهذا الغياب صلة بعدم الالتفات للكتابة جهة أمي، وقد عمق هذا الغياب أيضا اختباء الاسم وراء ستارة قاتمة الألوان، يعلوها الغبار والنسيان دائما؛ لأن أمي لم تمسك القلم والممحاة كي تزيل الغبار وتزيح بيدها تلك الستارة عن ملامح اسمها الكتوم.

لذلك نحن لا نذكر أسماء أمهاتنا لبعضنا البعض الأقرباء منهم أو الأخوة، ناهيك عن الغرباء! وكلما كبرنا في الحياة وأخذنا العمر في طرقه المتعرجة ابتعدنا عن أسماء أمهاتنا حتى لا تستطيع الذاكرة التقاطه من فرط صغره وتلاشيه، وكأن حبات الرمل وقد تبعثرت في صحراء شاسعة الأطراف لا تكاد تبين.