آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 11:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

أيحق لي أن أكتب عن القطيف؟

عباس سالم

إن الماضي ليس فعلاً مضى وانقضى كما تعلمناه في كتبنا المدرسية، بل هو باقٍ تشدنا إليه الذكريات متى ما فقدنا جماله.

القطيف من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، كانت واحة خضراء تحيطها النخيل الباسقات ومختلف الأشجار المثمرة، ويغطي شجر القرم «المانجروف» سواحلها البحرية من مختلف الاتجاهات التي كانت تغطي رؤية مياه بحرها الزرقاء!

مع تطور الحياة في مختلف المجالات بدأت البيئة تعاني الكثير في بلادنا، فقد جاء التطور العمراني والعلمي على حساب الطبيعة والبيئة وما فيها من حيوان ونبات، وقد وصل التلوث إلى الأتربة والمياه الجوفية والغابات، ولكن أكثر بيئة تعاني من التلوث هي البيئة البحرية فهذه البيئة عانت ولا تزال تعاني الكثير بسبب الجور الظالم بسحب رمال البحر وردمه وتدمير شجر القرم «المانجروف» وتهجير مختلف أنواع الطيور التي تعشعش فيه، وبسبب مخلفات السفن من المواد البترولية وغيرها.

الطبيعة التي كانت في القطيف وقراها تعتبر ملاذاً لمختلف الحيوانات والطيور التي غادرت وهاجرت من المدينة، وكذلك مهرباً للإنسان من ضجيج وضوضاء الواقع وسرعة وتيرة الحياة، فالطبيعة مكانٌ هادئٌ عذبٌ ومريحٌ للأعصاب التي تتعبها قسوة الحياة ومشاغلها الكثيرة، فيلوذ الناس بالاستمتاع بصوت زقزقة العصافير وحفيف الأشجار والجلوس بينها والتمتع بالهواء العليل، وكذلك السباحة في البحر أو الجلوس على رمال شاطئه من شأنه أن يجدد من حيوية الإنسان ونشاطه، واكتساب طاقةٍ إيجابيةٍ والتخلص من الطاقة السلبية التي تسبب آلاماً وإرهاقاً وضغوطات، فكل عناصر الطبيعة تعالج أسقام الروح وتريح القلب.

لم أكن أتوقع أن يكون التغيير في القطيف وقراها على هذا النحو، حيث تراجع المشروع الجمالي لهذه المدينة وحل مكانه مشاريع تسببت في القضاء على الطبيعة وعلى كل الموارد الطبيعية، وعلى رأسها تجفيف العيون الطبيعية التي كانت تسقي المزروعات، ودفن السدود التي تمر بين المزارع لتسقيها وتصب المياه الزائدة في البحر، والذي تسبب في خنق الأراضي الزراعية وقتلها، وتحويل المدينة إلى رقعة أرض صحراوية خالية من أشجار النخيل وغيرها!

عند التحاقنا بشركة أرامكو في الثمانينات من القرن الفائت من الزمن الجميل، وعند ذهابنا صباح كل يوم إلى مقر عملنا في مدينة الظهران مستخدمين باص الشركة، كنا نستمتع بذلك الجمال للطبيعة في ربوع القطيف، حيث الباص يلف القطيف مروراً بمحيطها، وكنا نرى تلك الأشجار والنخيل الباسقات تتراقص عليها مختلف الطيور مغردة، وعلى أوتار الهواء وبين أوراق الورد والريحان تتسلل الفراشات التي تغالب بأجنحتها الجميلة زحمة قطرات الندى، وهي تصنع أكاليل الفرح على جبين صباح مشرق، ونرى العيون الفوارة في المزارع تصب المياه في الينابيع التي تجري بين جداول الأشجار لتسقيها، في مشهد يدعو إلى الحسرة على وضع المزارع في القطيف اليوم.

التفاصيل الصغيرة التي عشناها في الزمن الجميل هل ستعود يوماً إلى مرابعها؟ إلى أحيائنا الشعبية، إلى صيحة الديك فوق السطوح وبين سعف النخل، هل ستعود لنسمع صوت حمام النخيل وهي تنادي «يا فاته يا بيتي» من فوق ذرى النخل العالي الذي تتغنى به القطيف؟ هل ستعود لنسمع صوت البلبل مغرداً ينشد ألحاناً في كل صباح؟ وهل ستعود لنشم في كل صباح رائحة الخبز المعمول على كرب وجذع النخل ونتذكر الخبازين من أبناء بلدنا في كل القطيف يرحمهم الله!

كم تمنيت لو يعود بي الزمان إلى الوراء لأعيش الماضي رغم قسوة الحياة فيه، لكن البساطة تراها على وجوه الناس من أهل القطيف أينما حللت، فالرضا والقناعة والصبر جزء من القيم والأخلاق لأهلها، وتأخذني الذكريات إلى زمن الجدات وفي القلب لوعة وأسى عندما أتذكر المرأة في المجتمع القطيفي ترفل بالحشمة والوقار والثوابت، وهي تعمل في الحقول مع الرجل تزرع وتساعد في تنظيف النخل وحصد الثمار وچنز التمر وغيره، وهي محافظة على عفتها وطهرها وحيائها قبل أن تجرف للأسف تيارات العولمة بعض نسائنا اليوم باسم التطور والمدنية في زمن التكنولوجيا وتسلب ما تبقى من حجابها..!!

هل ستعود الليالي القمرية التي تهب فيها النسمات الجميلة ونغط في النوم على السطح إلى أن يوقظنا الديك بصيحته الجميلة وتحرقنا الشمس بحرارتها، وهل ستعود لنرى البلبل الذي يغرد فوق الشجر المطل على حوش منزلنا، وهل ستعود لنسمع أصوات الحمير والأبقار التي كانت في الماضي موجودة في كل بيت، وهل ستعود لنسمع نباح الكلاب والعواوي في الليل الهادئ، وهل ستعود لنسمع صوت خرير الماء من مجرى العيون التي تخترق الأحياء من كل جهة ليغتسل الناس منه لصلاة الفجر.

آه آه مر بي على أرض القطيف ففي القلب حسرة لأيام أول، كانت حلوة وجميلة في ذاك الزمان، تطلع تهايل وتنام في كل مكان، في البيت، والمزارع، والنخل، وفي البر، والبحر كلهم أمان، وماحد يقول لك وين رايح وين بيتك ومن يا بلد..!! ونسأل بحسرة كيف كانت القطيف وكيف هي الآن؟.