آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 4:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

العسكري (ع): بالحكمة تكسب القلوب

عبد الرزاق الكوي

يصادف الثامن من ربيع الاول ذكرى استشهاد الامام الحسن بن علي العسكري، الامام الحادي عشر من أئمة اهل البيت . كانت ولادته المباركة في المدينة المنورة ربيع الثاني سنة 232 وشهادته سنة 260، كان عمره الشريف 28 سنة، لقب بالإمام العسكري نسبة إلى محل سكنه في محلة العسكر في سامراء، انتقل مع ابيه الامام الهادي إلى سامراء بعد ان استدعاه الخليفة العباسي المتوكل، عاش مع أبيه في سامراء20 سنة وتسلم الإمامة بعد ابيه وله من العمر 22 سنة 253 في عصر الخليفة المعتز العباسي، استمرت إمامته ست سنوات إلى سنة 260 هجري، عاش فترة حياته في عصر بني العباس الذين ثاروا بأسم الثأر والولاء لأهل البيت ، وبعد استلام زمام الحكم مارسوا اقسى انواع الظلم والاضطهاد والإجرام في حق اهل البيت واتباعهم كالامويين وأشد ظلم وقسوة منهم، كانت اعمالهم صفحة كالحة السواد زاخرة بالفساد، جميعهم لم يألوا جهدا ولم يتركوا عملا وتفننوا في إيداءالائمة واتباعهم واضطهادهم والضغط عليهم وملاحقتهم وسجنهم او قتلهم، فرضت السلطة العباسية الإقامة الجبرية على الامام العسكري ولمزيد من التنكيل والإهانة لقامة جليلة مثل الامام العسكري وأجبرته السلطات العباسية على الحضور في يومين من كل أسبوع في دار الخلافة، كما لاحقت السلطة العباسية الامام الحسن العسكري وأحاطته بالعيون والجواسيس وأحصت عليه كل تحركاته لتشل نشاطه وتقلل من مكانته وتحول بينه وبين لقاءه مع احد وممارسة دوره الديني والعلمي في المجتمع، فقد أسرف العباسيون في التنكيل بأهل البيت فهذا المتوكل كان في عهد أمامة الامام الهادي فرض على الامام الإقامة الجبرية وقام بتخصيص مجموعة من المجرمين والمبغضين والشرطة تحصي عليه تحركاته وتمنع اي احد من اللقاء به والتواصل معه، واستمر هذا العذاب مع الامام الحسن العسكري حيث ضيق عليه في جميع شؤون حياته وتفتيش بيته بين وقت وآخر، وجر الامام الى مكان المتوكل، فهذا كان عمله مع اهل البيت حيث منع المتوكل زيارة الامام الحسين وأمر بهدم المرقد الشريف وقتل وقطع الايدي والأرجل لزوار الامام الحسين ، بسبب هذا الإجرام وحب سفك الدماء انتقل الامام الحسن العسكري الى لقاء ربه ولم يكمل عقده الثالث، مما يبين شراسة خلق العباسيين وبغضهم لسلالة الرسول صلى الله عليه واله.

مع كل ذلك الظلم من قبل العباسيين بشكل علم لأهل البيت فقد قاموا بدورهم الرسالي والكفاح السياسي السلمي في اوضاع غاية في الخطورة وارهاب دموي يقتل على الظن ويفتك على الشك، فقد قام الامام الحسن العسكري في هذا الوضع لآداء مسؤوليته فتحمل الاذى والسجون من اجل اعلاء كلمة الحق وبقاء صفاء الدين، قدم الائمة في عهد طواغيت عصرهم بني امية وبني العباس إسهامات جليلة وعمل دؤوب من اجل الحفاظ على رسالة الاسلام وتعاليم الشريعة تجلوا فيها بشخصية مؤثرة في مجتمعاتهم حظيت بحب من حولهم من الاصحاب والأعداء بما يملكونه من كاريزمة خلقية في ظل حرب شعواء من قبل العباسيين، منهم من سجن ومنهم من شرد ومنهم من نكل به وعندما لا ينفع كل ذلك يكون المصير القتل.

روي ان الامام الحسن العسكري عندما أودع في السجن وكل به رجلان من اشر أعداء اهل البيت وأكثرهم حقدا على الامام العسكري بقصد إيدائه والتنكيل به والتضييق عليه، مع مرور الوقت تأثروا بطيب خلق الامام العسكري وأصبحا من الفضلاء، فقيل لهما : ويحكما ما شأنكما في هذا الرجل، قالا: ما نقول في رجل يصوم نهاره ويقيم ليله، ولا يتكلم ولا ينشغل بغير العبادة؟ وإذا نظر إلينا ارتعدت فرائضنا، ودخلنا مالانملكه من أنفسنا.

هذه كانت شخصيات ومقامات الائمة فالإمام الحسن العسكري كان نجما من نجوم هذا البيت الإلهي الطاهر يتحرك في جميع اوقات حياته دفاعا عن القيم ونشر التعاليم الحقة في المجتمع ومحاربة البدع فقد كانت رسالتهم الإصلاح بالكلمة الطيبة والحوار الهادف في ظل سياسة قمعية لا تتورع عن القيام بالقتل، فقد كان ديدن اهل البيت السلم والسلام والصلاح، وهذه هي سيرة الرسول صلى الله عليه واله، ومن جاء من بعده من الائمة كانو رسل محبة وعطاء بدون مقابل، كسبوا من يختلف معهم في مواقف كثيرة وتغيرت مواقف وتبدلت اتجاهات بفضل سمو الأخلاق كسب الائمة ولاء الأمة وحب الناس كانو دعاة الوحدة والمحافظة على المجتمع من اصحاب المشاريع الخبيثة، لم يدعوا لحرب ولم يكونوا من مشعلي الفتن، فأول عمل قام به النبي صلى الله عليه واله عند وصوله المدينة المنورة هو صالح بين الاوس والخزرج وانتهت حروب قتلت فيها الأنفس، اما بني اميه ويني العباس ديدنهم الفتن وتاريخهم بث الفرقة ليدوم تسلطهم على رقاب العباد، لهذا بقت الذكرى الطيبة والتاريخ المشرف والمكانة الجليلة لأهل البيت في قلوب الناس مع مرور كل القرون، فقد كانت كلمتهم المشهورة دائما « أكره أن أبدأهم بقتال »، فلم يدخل الائمة حروب قتالية فلم يبدأ الامام علي قتالا، فقد حارب

دفاعا في ظل حروبا فرضت عليه من قبل أعداءه ومبغضية بسبب ما قام به في عصر الرسالة دفاعا عن الاسلام والرسول صلى الله عليه واله، قتل صناديد قريش وأنتصر الاسلام بسيف علي ومال خديجة ، وكذلك بقية الائمة كانو دعاك سلم وسلام وصلاح في امتهم، فقد كان دورهم وحسب الظروف العاصفة التي عاشوها دعاة صامتين تتكلم عنهم افعالهم وتبرز دورهم سمو اخلاقهم ويملكون القلوب بتواضعهم وهذ ما يقلق طغاة بني اميه والعباس، ولهذا نجح هذا الدور وكان له المفعول الأقوى في الحفاظ على نقاء الدين وصفاء الاسلام، في ظل سياسة حاكمة تسفك الدم الحرام لكل صاحب رأي مخالف او وجهة نظر معارضة، غير عابئين بأي مبدأ ديني ولا انساني.

فقد كانت عبادتهم ودعائهم وسيرتهم الحسنة الحوار البناء مع من حولهم هي الطريقة الفعالة في هزيمة المشروع الماكر والمؤامرات المستمرة من اجل القضاء على الإسلام، فلم يتخلو يوما عن هذا الواجب حتى ولو كانت تكلفة ذلك الشهادة، فلم يمت احد من الائمة حتف نفسه اما مقتول بسيف او بجرعة سم.

لذلك استشعروا بني العباس ان دورهم في وقف مشروع آلامام الحسن العسكري باء بالفشل وتجمع على حبه الأقربين والابعدين ولم تفلح جميع محاولاتهم من اجل اسكات صوت الحق بتنكيل او سجن او إقامة جبرية فقد كان القرار الظالم هو قتل الامام العسكري . فدس له الخليفة العباسي المعتمد السم، فذهب للقاء ربه سبحانه وتعالى راضيا مرضيا عمل جادا وصابرا في الدفاع عن شريعة ربه جل وعلا عامل للإصلاح في امة جده.