آخر تحديث: 20 / 11 / 2019م - 11:56 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الأسباب الجذرية Root Causes

محمد عبد الله العيسى *

كيف تحل مشاكلَك حلاً نهائياً؟

في مزرعتي تنبت أشواكاً مؤذية وضارة فأحاول التخلص منها، وفي كل مرة أقصّها بالمنجل من الأسفل تعاود الظهور ولكنها لا تنبتُ مرةً أخرى إذا اقتلعتُها من الجذور.

وكذلك المشاكل فإذا أردتَ أن تحلّها حلاً نهائياً فعليك أن تبحث عن الأسباب الجذرية root causes لهذه المشكلة ثم تقوم بإزالتها أما إذا قمتَ بإزالة الأسباب الأخرى «غير الجذرية» فإن المشكلة معرّضة للحدوث مرةً أخرى.

خلال عملي كمهندس لمدة 26 سنة شاركتُ في التحقيق في الكثير من المشاكل والحوادث وكان التحدّي وعامل النجاح الأكبر في كل هذه التحقيقات هو وضع اليد على الأسباب الجذرية لتلك المشاكل والحوادث.

وهدف هذا المقال هو الإجابة على هذا السؤال:

”كيف نستطيع - أثناء التحقيق في أي مشكلة - التمييز بين الأسباب الجذرية والأسباب المتنوعة الأخرى؟“

هذا سؤالٌ مهمٌ جداً ومعرفة إجابته تساعدنا كثيراً في الحل الجذري للمشاكل والتخلص منها نهائياً.

ومن دون الدخول في تعقيدات الإجابة على هذا السؤال أستطيع أن أقول بسهولة بأن الأسباب المؤدية لأي مشكلة تنقسم إلى قسمين:

1 - أسباب جذرية Root Causes

2 - عوامل مسبّبة Causal Factors

وتتميّز الأسباب الجذرية عن العوامل المسبّبة بخاصتين:

1 - أنها قصورٌ/تقصيرٌ إداري بشري

2 - أن من دون وجودها/حدوثها لا يمكن للمشكلة أن تحدث مهما تظافرت بقية الأسباب الأخرى.

وتتميّز العوامل المسبّبة عن الأسباب الجذرية بثلاث خواص:

1 - أنها غير قادرة لوحدها على إحداث المشكلة

2 - ولكنّها تلعب دوراً هاماً في توقيت حدوث المشكلة وفي تحديد حجم أضرارها وعواقبها

3 - لا يشترط أن تكون قصوراً/تقصيراً إدارياً بشرياً فقد تكون خللاً ميكانيكياً أو فيزيائياً أو كارثةً طبيعية مثلاً

وهناك نوعٌ ثالث قد يشتبه المحققون أنه من الأسباب ويُسمّى ”التصرّفات الخاطئة“ Wrong Acts ولكنها في الحقيقة ليس من الأسباب ولكنها أشياء/أفعال خاطئة يتم اكتشافها عرضاً أثناء التحقيق في أسباب المشكلة وقد لا يكون لها أي دور مباشر في حدوث المشكلة أو توقيت حدوثها أو مفاقمة أضرارها وعواقبها، ولكنها أخطاءٌ لا ينبغي تجاهلها أو السكوت عنها أثناء كتابة التقرير النهائي حول نتائج التحقيق في المشكلة.

مثال توضيحي:

ناصر - شاب مراهق عمره 15 سنة - سرق مفتاح سيارة والده وقادها بسرعة عالية في يومٍ ممطر وسط ضبابٍ كثيف تنعدم فيه الرؤية تقريباً.

ناصر وجد نفسَه فجأةً قريباً جداً من مجموعة من السيارات أمامه، فضغط بسرعة على الفرامل ولكن السيارة تزحلقت على الإسفلت الرطب واصطدمت بقوة في تلك السيارات فسببّت إصابات كبيرة جسدية له وللسائقين الآخرين مع أضرار بالغة لسيارته وللسيارات الأخرى.

نتائج التحقيق أظهرت أن ناصر لم يحصل مسبقاً على أي تدريب على قيادة السيارات وأنه أبدى لأبيه أكثر من مرة رغبتَه الشديدة في القيادة ولكن أباه تجاهله تماماً.

نتائج التحقيق أظهرت أيضاً أن كفاءة عمل الفرامل كانت متدنية «70٪ تقريباً» نظراً لتآكل بعض الأجزاء الميكانيكية في نظام الفرامل.

فما هي الأسباب الجذرية لهذه المشكلة وما هي العوامل المسبّبة التي ساهمت في حدوثها وما هي التصرّفات الخاطئة التي وقعت أثناء حدوث هذه المشكلة؟

لو قمنا بحصر كل الأسباب التي ساهمت في وقوع هذا الحادث من دون تصنيفٍ لها لوجدنا أنها ما يلي:

1 - سرقة ناصر لمفتاح السيارة

2 - عدم حصول ناصر على تدريب كافٍ على القيادة

3 - قيادة السيارة بسرعة عالية

4 - وجود المطر

5 - وجود الضباب

6 - الخلل الميكانيكي في الفرامل

7 - عدم قيام أبي ناصر بالتعامل الجاد مع رغبة ابنه ناصر الشديدة بالقيادة

من خلال النظرة الأولى لهذه الأسباب نستطيع ان نحصر الأسباب الجذرية المحتملة في الأشياء التي تعتبر ”قصوراً أو تقصيراً إدارياً بشرياً“ ولهذا السبب فإن الأسباب رقم «4» وجود المطر ورقم «5» وجود الضباب لا يمكن اعتبارهما أسباباً جذرية لأن حدوثهما من عدمه لا يتعلّق بقصور أو تقصير البشر ولكن يمكن اعتبارهما عاملين مسبّبين لأن المطر بلّل الطريق وساهم في انزلاق السيارة ومنع توقفها، والضباب أضعف الرؤية ومنع السائق من استخدام الفرامل في الوقت المناسب.

اما رقم «6» وهو الخلل الميكانيكي في الفرامل فرغم انه ساهم في حجم الحادث وأضراره إلا أننا لا نستطيع أن نعتبره سبباً جذرياً لأنه قصور ميكانيكيٌ وليس بشرياً وعلينا لذلك أن نبحث تحته عن جذوره ذات الطابع البشري مثل عدم اهتمام أبو ناصر ببرنامج صيانة لسيارته يضمن عدم السماح لوجود مثل هذا الخلل الميكانيكي الخطير.

أما السبب «3» وهو ”قيادة ناصر السيارة بسرعة عالية“ فرغم أنه قصورٌ بشري إلا أننا لا نعتبره سبباً جذرياً لأن ثمة قصور بشري آخر يقع تحته «أعمق منه» وهو تقصير والده في توعيته وتعليمه القيادة هو السبب الجذري ولكن لأن السرعة الزائدة أثرت على حجم الحادث وأضراره فإننا نستطيع أن نعتبرها عاملاً مسبّباً.

أما السبب «1» وهو سرقة ناصر لمفتاح سيارة والده فهو بلا شك تصرّف وسلوكٌ خاطئ ولا يمكن التغاضي عنه ولكنه قد لا يكون سبباً في هذا الحدث لأن رغبة ناصر المراهق الجامحة في القيادة كانت ستدفعه - على أية حال - لقيادة أي سيارة أخرى كسيارة والد صديقه مثلاً.

إن السبب الجذري الأعمق هو «7» وهو ”عدم قيام أبي ناصر بالتعامل الجاد مع رغبة ابنه ناصر الشديدة بالقيادة“ فهو التقصير البشري الإداري الأول الذي انطلقت منه بقية الأسباب وصارت فاعلة بسببه فلو أن أبا ناصر اعتنى برغبة ابنه المراهق الجامحة في القيادة واتخذ ردة الفعل المناسبة إما بالحوار معه وإقناعه بتأخير هذه الرغبة حتى يبلغ سن القيادة أو بالقيام بتدريبه على يده لإشباع شيءٍ من رغبته الجامحة وإعداداً له للقيادة تحسبّاً لمثل هذه المحاولة المتهوّرة للقيادة التي أدت لهذا الحادث.

هكذا هي الأسباب الجذرية لكل الحوادث والمشاكل؛ هي تلك المسؤليات التي قصّر في القيام بها أصحابها من البشر إما خطأً أو جهلاً أو سهواً أو تقاعساً أو عمداً «وفي حالة العمد مع معرفة العواقب والقصد المسبق لإحداثها يكون العمل جنائياً»..

الإنسان هو العنصر الوحيد العاقل وصاحب الإرادة الحرّة في أي منظومة ولذلك فنجاح المنظومة هي مسؤوليته أولاً وآخراً وأي تقصير في أداء هذه المسؤولية أو قصور عن أدائها هو سببٌ جذري لمشكلة/حادثة سوف تقع إن عاجلاً أو آجلاً ولكنها تنتظر مجموعةً من العوامل المسبّبة لكي تتآمر مع بعضها لتأذن لهذه المشكلة/الحادثة بالوقوع بكمٍ وكيفية تحددهما تلك العوامل المسبّبة.

ولذلك فإننا وبعد التحقيق في أي مشكلة/حادث لا يمكننا أن نبعث تقرير الحادث وتوصياته إلى المطر لكي لا يسقط ولا إلى الضباب لكي لا يتواجد ولا إلى القطع الميكانيكية لكي لا تفشل ولكننا نبعث بالتقرير وبالتوصيات إلى الإنسان؛ ذلك الكائن الواعي صاحب القرار المسؤول عن وعيه بنفسه وبما حوله من المخاطر وعن قراراته في تحصين نفسه ضد تلك المخاطر وطريقة تفاعله معها.

وفي كل مرّة يحرص فيها إنسانٌ على القيام بمسؤوليةٍ من مسؤولياته بالوفاء والتمام فإنه يزيلُ من الوجود سبباً جذرياً لمشكلة أو حادثة ما ويحبط مفعول كثيرٍ من العوامل المسبّبة وكأنه يقول لها ”تآمري وتظافري كيف شئتِ فإنك لن تفلحي في إيقاع حادثٍ أو مشكلة“. ولو أن أبا ناصر قام بمسؤوليته نحو رغبة ابنه الجامحة بالقيادة إما بتدريبه عليها أو بإقناعه بالعزوف عنها لما فلح الضباب ولا المطر ولا ضعف الفرامل في إيقاع هذا الحادث وما تبعه من عواقب وأضرار.

وعلى الإنسان أن يدرك أنه كائنٌ خطّاء وأن يقوم بالتحقيق في أي حادثةٍ أو مشكلة للوصول إلى أسبابها الجذرية لا لغرض معاقبة ذلك الإنسان المقصّر أو الإضرار به بل للقيام بما يجب واتخاذ ما يلزم لمنع وقوع حوادث وأضرار أخرى لذات الأسباب الجذرية ذات المنشأ والطابع البشري.

توستماستر متميز وبطل الخطابة الفكاهية في الخليج والسعودية 5 مرات