آخر تحديث: 20 / 1 / 2020م - 12:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

ليخرجهم من الظلمات

أي لطف إلهي أفاضه المولى الجليل على عباده بعظمة ورفعة الرحمة المهداة للعالمين، تشع عليهم بأنوار الهداية للحق في حركية رقيقة للفكر بالحوار الهاديء، والدعوة إلى رفعة الإنسان وكرامته بالتحلي الأخلاق الرفيعة والتعاملات النبيلة، والتي تحفظ المرء من وحل السقوط في تصرفات تسيء لهويته الإنسانية، أو سلوكيات تمزق عنوانية احترام الآخرين!

إن الدراسة التأملية المتعلقة بسيرة الرسول الأكرم الشريفة والمنهجية التربوية والتهذيبية التي أرساها، لهي زاد معرفي وثقافي متنوع في الجوانب الدينية والأخلاقية والاجتماعية والنفسية، فالبشرية اليوم في أمس الحاجة له ومفتقرة لأنواره، وذلك لما ينتشر فيها من كراهيات لا تقل عما كانت عليه العلاقات بين الناس في زمن الجاهلية الأولى، والنهج النبوي كفيل بانتشالها من هذه المشاعر السوداوية وما يستتبعها من ظنون سيئة ونرجسيات بلغت مستويا غير معهودة، وذلك من خلال خلق الاحترام والتسامح الذي غير معالم حياة الناس وأطفأ نيران البغضاء والأحقاد بينهم.

كما أن نهج الحوار النبوي مع الناس في الدعوة لتوحيد الله تعالى ومكارم الأخلاق، من مفردات الحضارة الإنسانية المتقدمة بعيدا عن العنف والإرهاب الفكري الذي تموج به المعمورة، فلم يكن هناك في نقاشات الناس مع رسول الله ﷺ من خطوط حمراء ونقطة توقف وامتناع حتى وإن تعلقت بأم المسائل العقائدية وهي وجود الله تعالى وتدبيره للكون، أفلا تكون هذه التذكرة بالنهج النبوي خارطة طريق نبدأ من خلالها حل مشاكلنا وفرقتنا وخلافاتنا مهما استفحلت وتباعدت الخطى وتنافرت القلوب؟!

إن الاحتفاء بالمولد النبوي لتتعدد فيه الغايات والأهداف، ومنها الانفتاح المعرفي على سيرة الرسول الأعظم ﷺ وأهل بيته وذلك أنهم موضع التأسي والاقتداء بهم والاستصباح بأنوار فكرهم ومنطقهم السديد، وفي المقابل فإن الابتعاد وإغفال معالم تلك السيرة العطرة لهي من دواعي سوء النصيب ونقصه، والجناية على النفس والبشرية عموما بحرمانها من مرتكز أساسي يشكل الشخصية الإنسانية وأبعادها، إذ عبر القرآن الكريم عن تلك النقلة والتغيير الإيجابي الذي أحدثه الرسول الأكرم بإزاحة ظلام الجاهلية وإطباق عاداتها إلى أنوار التوحيد والوعي الفكري والاستقامة السلوكية، وأرسى معالم الحقوق الإنسانية برفض كل أشكال الظلم والتعدي على حقوق الآخرين ماديا ومعنويا بغير وجه حق، فكانت تلك التعاليم خير ما يتمسك به من أراد السلام والتصالح مع نفسه ومن حوله بعيدا عن متاعب الأنانية والطمع والحسد وغيرها من الآفات.

ولذا فإن تجديد العهد بالمولد النبوي والاحتفاء به تأكيد للعلاقة الولائية والهوية الإيمانية الخالصة، احتفاء بالبشير الذي جعلنا نتمسك بحبل الأمل بالله تعالى ورحمته، فمتى ما سقطنا في أتون المعصية أطفأناها ببرد التوبة والرجوع إلى الله تعالى، واحتفاء بالنذير الذي حذرنا من كل سبيل يحرفنا عن طريق الحق والعفة، فقلبه الرؤوف ﷺ لا يطيق أن يرى أحدا من العالمين استجاب لهتاف النزوات وأغفل صوت العقل والضمير اليقظ.

لنكن أصحاب بصيرة لا تغفل عن أسس الرسالة المحمدية والتي دعت إلى إعلاء قيمة الروح وحاجاتها، فكانت غاية العبادات تقوية البنية الروحية من خلال المناجاة والذكر والصلاة الخاشعة، ومكارم الأخلاق لها منزلة ما بعدها منزلة في النهج النبوي، بل هي لب وجوهر التدين إذ تهذب تلك الأخلاق النفس البشرية وتجنبها مساقط الأفعال ومعايبها ومساويء التعاملات مع الآخرين، وكتاب الله تعالى يشكل المرجعية الفكرية والمعرفية للناس من خلال الانفتاح عليه تدبرا وتأملا في معانيه ومضامينه العالية، فرتفع عن بصيرتهم الحجب وينبلج النضج والرشد والحكمة في عقولهم ومنطقهم وخطاهم، وكيف لا يسير نحو الرقي والكمال الإنساني ويجتاز عقبات عقبات السقوط الشهواني من يتبع خطى معلم البشرية ﷺ وحامل راية الجمال الروحي والأخلاقي؟!