آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 11:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المنعزلون عن الحياة

سهام طاهر البوشاجع *

غارقون في أبجديات الحب الواهمة حتى ضاعت شخصياتهم، وانهدت ذواتهم، فلم يعد يشكلون وجودا حقيقيا في عالمهم.

هم أولئك اللذين يعزلون أنفسهم في أشياء أحبوها حتى وصلت بهم حد الانفصال عن ٌاقربائهم أو معارفهم أو أبناء مجتمعاتهم وكأن الحياة تكمن في تلك الزاوية التي رسموها لهم.

تجد أحدهم غارقا في عالم الكتب والروايات فلا يعرف مجالس في مجتمعه سوى المكتبات، أو تجده غارقا في استراحات الشباب والعزاب وكأن مجالس الأسر غير مفتوحة ولا يوجد بها أحد.،

ولربما تجد إحداهن تتنقل من صالة فرح إلى أخرى أو من مطعم إلى آخر رسمت أحلامها نجوم النهار وسهرت معها في ساعات المساء تعيش مجد التطور والانفتاح تاركة وراءها أبواب منزلها موصده لا تفتحها إلا حين تنادي على أطفالها للذهاب إلى مدارسهم أو لتناول وجبات الغداء.

يكبر هؤلاء الأطفال وتكبر معهم الأشياء وتشيخ المعارف ويموت أصدقاء العمل وتتسارع الحياة وهم ما زالوا كطاحونة المزارع تدور وتدور لا يوقفها شيء ما لم تتوقف عنها الكهرباء أو سرعة الرياح.

عشقوا عالمهم حتى تيموا فيه ”كالشاعر المستبد به الحب وقد ذهب بعقله“، ولم يعد يدركون أن الفراشة أفضل منهم فهي تستكشف وتتعرف وتحب أكثر من زهرة فتستقي الرحيق ”مختلفا ألوانه ومذاقه“

يقول لي أحد الأقارب: شهدت موقفا ذات مساء في مناسبة اجتماعية أن مجموعة من الرجال قد تحلقت حول أحد معارفها يبدو ذلك وقد أخذوا في سؤاله عن أحواله وكانوا يكررون عليه جملة ”أينك يا رجل“ فلا نعرف عن أخبارك إلى من فلان وفلان، أينك عن الناس وعن الجيران وعن مجالس العائلة؟ فما كان جوابه إلا كلمتين فقط وهي «الحياة كذا» قالها وسط دهشة بعض من يسمعه وتأييد البعض الآخر له ممن ربما يشبهونه في العزلة والانكماش عن المجتمع.

أي حياة هذه التي وكأنها تسير سنة وتتوقف سنوات ثم تستأنف سيرها من جديد بضع ساعات أو أيام لتعود للتوقف سنوات وهكذا دواليك وكأنها باقية منتظرة فاتحة أبواب العز والمجد والفرح منتظرة لحظة افاقة من ساكنيها!

يجب أن يدرك مثل هؤلاء المنعزلون أن الحياة قصيرة والفرص نادرة والأحياء يموتون والصغار يكبرون فالحياة متغيرة متجددة ولحظات الندم لا تعوض ببضع كلمات فما فات قد فات و«لا بكاء على الماء المراق».

كاتبة ومحررة في صحيفة المنيزلة نيوز