آخر تحديث: 5 / 12 / 2019م - 11:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

متلازمة داون والعمل

سراج علي أبو السعود * صحيفة الرأي السعودي

عرَّفت «مايو كلينك» متلازمة داون ب «اضطراب وراثي يسببه الانقسام غير الطبيعي في الخلايا مما يؤدي إلى زيادة النَّسخ الكلي أو الجزئي في الكروموسوم 21، وتسبب هذه المادة الوراثية الزائدة تغيرات النمو والملامح الجسدية التي تتسم بها متلازمة داون»، ويتفاوت المصابون بهذا المرض إلى درجات منها الحادة والأقل حدة إلى أن تصل إلى مستوى يمكن الوصول بصاحبه إلى مستويات جيدة من العلم والمهارات المهنية، وبالنتيجة يمكن استثمار طاقاته في أعمال تعود بالنفع عليه وعلى المجتمع.

لشد ما استرعى اهتمامي وإعجابي شاب متلازمة داون وهو يعمل في مطعم ماكدونالدز للوجبات السريعة ك «مقدم طلبات»، هكذا استثمار لهذه الشريحة هو مصداق حقيقي للدعم الاجتماعي الذي يُقدَّم لجزء من المجتمع يحتاج أيما حاجة للدعم النفسي والمعنوي بصفتهم أولًا وأخيرًا بشرًا، لهم أحاسيسهم ومشاعرهم وقلوبهم التي يكسرها الألم والحزن ويبهجها الرعاية والاهتمام، أعادت لي هذه البادرة تساؤلًا ينبغي توجيهه لوزارة العمل حول برامج التأهيل الواجب إعدادها لتحويل مصابي متلازمة داون إلى موارد بشرية يمكن الاستفادة منها في سوق العمل.

هنا من الطبيعي أن يباغتني سائل ليسأل عن منطقية المطالبة بمعالجة بطالة أصحاب الإعاقات الفكرية قبل أن تكون هناك بوادر لمعالجة بطالة الأصحاء، وهي التي تزيد في مجملها عن 12 في المائة وتعتبر بالمقاييس العالمية مرتفعة، شخصيًا أنا من أشد المقتنعين بعدم وجود بطالة حقيقية في مجتمعنا السعودي، ذلك أن وجود أكثر من عشرة ملايين أجنبي يعملون في القطاع الخاص يعني غالبًا وجود نسبة عالية من هذه المهن يمكن للمواطن العمل بها لو منح الفرصة، لذا فبادرة لفرض نسبة أجور للسعوديين من إجمالي أجور المنظمات يمكن له ببساطة شديدة خلق فرص وظيفية هائلة وحقيقية.

يعني ذلك بمثال أن قطاعًا معينًا حينما يفرض عليه نسبة أجور للسعوديين تبلغ 50 في المائة مثلا من إجمالي أجور المنشأة، فإن إدارة هذه المنظمة ستكون أكثر إدراكًا أن لعبة السعودة الوهمية ومنح غير السعوديين الوظائف الحقيقية لن تكون مجدية.

إذن لنعود إلى متلازمة داون ونتساءل ولنقترح أن تكون هناك بادرات من وزارة العمل بتأهيل شريحة الإعاقات الفكرية لا سيما متلازمة داون للعمل، في تصوري أن بادرة خيرة كهذه يمكن لها أن تمنح الأسر التي لديها أبناء معاقون بارقة أمل لرؤية دور إيجابي ولو بسيط لأبنائهم في المجتمع.

أعتقد أن بادرة إحصائية تقوم بها وزارة العمل من اجل إحصاء معاقي متلازمة داون ودراسة نسبة الراغبين في العمل منهم، والسعي لوضع برامج تأهيلية لهؤلاء لدخول سوق العمل، من الممكن يستثمر طاقات مهملة من جانب، ومن جانب آخر يُخرج هذه الشريحة من منفاها الاضطراري وعزلتها الاجتماعية، حينها يمكن لأسر هذه الشريحة أن تنظر بعين الإعجاب والرضا لحالة أبنائهم، وأن تتأكد أن المجتمع يحترم هؤلاء ولا يمانع من مشاركتهم له الحياة.