آخر تحديث: 21 / 1 / 2020م - 12:50 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حقيقة التفكير الإيجابي

ياسين آل خليل

تصديك للأفكار السلبية ومحاولة التغلب عليها، ماهو إلا تحدٍ وإصرار على مواجهة هذا النهج السيئ، والتأكيد بكل عزيمة وحزم على أنه بإمكانك البدء في إجراء تغييرات إيجابية في ذاتك وفي الطريقة التي اخترت أن تعيش بها حياتك.

كثيرة هي الأوقات التي ترغب فيها رؤية تغيير إيجابي يطرأ على حياتك، أحد تلك الأوقات قد تندرج ضمن تحسين موقفك الخاص من ذاتك واحترامك لها. موقف آخر يتناول عدم النظر إلى ما عند الغير والإهتمام بما لديك، أو التغلب على عادة سيئة أرّقتك سنين طويلة، فقررت التخلص منها. لا شك أن هناك العديد من السلوكيات التي ترغب في تعديلها، لتتوافق وقيمك الأساسية، التي تدفعك قُدُمًا إلى أنسنة ذاتك وإيصالها إلى مستوى مقبول من الرضا والقناعة.

تعودنا العيش على فرضية أن التغيير أمر سيئ، وإن كانت كل المعطيات توضح لنا أن ليس هناك ما يثبت صحة هذه الفرضية. هذه العادة مؤشر خطير، يفيد إلى أنه مهما بلغنا وتوصلنا إليه من معرفة وخبرات حياتية، تبقى هناك منطقة رمادية نستدل منها على وجود نسبة من عدم النضج في رؤيتنا إلى الأشياء، قد تثنينا عن توظيف فكرنا توظيفًا إيجابيًا، يوصلنا في مرحلة ما من حياتنا إلى أن نتقبل فيها التغيير، ونَحتضنه بسماحة وأريحية.

في عصر التقنية الرقمية، أصبح لدينا إمكانية الوصول إلى الكثير من المعلومات بدعسة زر ودون أي عناء يُذكر. في الوهلة الأولى يبدو لنا هذا الأمر عظيما، وهو كذلك، معتقدين أن المعلومة هي في حد ذاتها أمرًا جيدًا وأنها تأخذنا إلى عوالم كثيرة كانت غائبة عن أذهاننا. معرفة الإنسان للغث والسمين من المعلومات هو سبب جوهري في ارتفاع نسب الضغوطات الحياتية لديه، ولو لم يضطلع على الكثير منها لربما كان أصح له جسميًا ونفسيا..!

تصفحك وسائل السوشيال ميديا ورؤيتك أصحابك ومعارفك وهم يُظهرون الجانب الرائع من حياتهم اليومية، إما في سفر أو رحلة لقضاء وقت ممتع في تجمع مع زملائهم ممن تجمعهم بهم معرفة أو زمالة عمل، قد يُشعرك بالغيرة ويترك أثرًا سلبيًا في نفسك، وكأنك تعيش حياة هي أدنى من حياة هؤلاء.

هذه الصورة الكئيبة من حياة الفرد اليومية، وفي عصر زائف، يغلب على الإنسان فيه طابع الغيرة والحسد والأنانية والارتباك الفكري، ما هو إلا نتيجة ما تدوّنه أصابع المؤثرين في وسائل التواصل الإجتماعي من نماذج حياتية لأفراد يعرضون جانبًا من حياتهم، هدف الحصول على أعداد فلكية من المتابعين الذين يدعمون مسيرتهم ليعرضوا المزيد مما يتوق للمشتركين مشاهدته. هذا للأسف، يثير حفيظة البعض ويجعلهم يعيشون في حالة من عدم الرضا عن نمط الحياة التي يعيشونها، مقارنة بحياة هؤلاء الذين كانوا في يوم ما متساوين معهم، أو أقل شأنا ومنزلة منهم.

لم يعد الناس اليوم يعيشون حياة الماضي، عندما كانوا يجهلون ما يفعله الآخرون وراء الكواليس، فكل شيء بات اليوم مكشوفا للجميع، وهذا ما يجعل الحياة أكثر صعوبةً وتعقيدا.

للأسف الكثير من البشر اليوم يقضون وقتًا طويلًا يفكرون في أشياء لا يمتلكونها، وحياة هي ليست حياتهم، لكنهم يتمنون أن يكونوا جزءا منها. لكل منا بصمته الخاصة به، ونمط الحياة التي يختارها لنفسه، ويعتقد باختياره، أن هذا النموذج سَيجعله سعيدا. عندما ينظر الناس إلى ما يمتلكه غيرهم، ويتناسون الكم الهائل من الأشياء الإيجابية التي هي بحوزتهم، يبدأ التفكير بخلق سيناريوهات خيالية، عادة ما تنتهي بابتعاد هذه الأفراد عن هدفهم الحقيقي، والعيش في متاهات يغلب عليها الخوف من المستقبل وما يخفيه من مفاجئات.

كم نحن بحاجة إلى أن نُوظّف تفكيرنا بطريقة إيجابية تجعلنا نعيش كل لحظة من حياتنا بقناعة ودون النظر إلى حياة الآخرين، والتي عادة لا تخلو من العقبات والمطبات. علينا أن ننظر إلى الجانب المشرق من الحياة، وأن نبتعد عن المخاوف والأوهام الغير واقعية، والتي هي أقرب إلى التَخريصات والأحلام منها إلى الواقع. اتبع خريطتك الحياتية الخاصة بك، دون النظر إلي خرائط غيرك، لأن وجهة الآخرين تختلف عن وجهتك، ولو اتبعت وجهتهم لانتهيت إلى المكان الخطأ.

في كتابه ”قوة التفكير الإيجابي“ ينوه الدكتور نورمن بيل إلى حقيقة حياتية مفادها، أنك أيها الإنسان إذا ما أردت أن تحقق طموحاتك وآمالك، فعليك التحلي بقوة الإيمان في العمل، وذلك من خلال منح نفسك روح المبادرة، وكسر عادة القلق التي تصحبك في الحل والترحال. تبنيك استراتيجية التفكير الإيجابي وتركيزك على ما هو ممكن عمله، بعيدًا عن محاكاة الآخرين وانتحال صفاتهم، يمنحك الفرصة للتركيز على القضايا الأساسية التي تضمن نجاحك وراحتك النفسية.