آخر تحديث: 29 / 10 / 2020م - 10:21 ص

حسن مدن والمنفى الداخلي

أثير السادة

ليست أرضا واحدة تلك التي تحتضن سيرة الكاتب البحريني حسن مدن، بل مدن وبلدان تتمدد على خارطة كبيرة، تجعل من أفق الكتابة عنها مفتوحا ومغلقا في آن في إصداره“ترميم الذاكرة”، مفتوحا على تنوع هذه البلدان وصورها، ذكرياتها وأحداثها، ومغلقا بعنوان الحذر والاختصار الذي يدفع له الكاتب وهو يقترب من يومياته ومشاعره وأفكاره في إطلالات سريعة.

هي عملية ترميم لبعض غرف الذاكرة، الحافلة بسيرة شاب مازال يتأمل ذاته في العشرين من العمر، ويسأل دون حسم إن كانت خياراته يومها هي الجواب الصحيح بعد قضاء ربع قرن خارج أرض الوطن منفيا، ساعة قرر الهرب من منفاه الداخلي.. الرجل الذي يدخلنا إلى مشاهد الطفولة بكثير من الحنين والألفة والحب، يشعر اليوم بأنه خسر بعضا من تفاصيله الإنسانية البسيطة لأنه التحق بالكبار مبكرا ولم يعش حياة الشباب من عمره.. هذه واحدة من التضحيات، هكذا يراها، في ظل التربية الحزبية التي انتهت إلى أن يكون بعيدا عن أهله وعن الاستمتاع بلحظات العمر في وسط أبناء جيله.

ثمة نبرة مراجعة مع الذات، تصوغ شكل السيرة وهي تبحر بنا من بلد إلى بلد، غير أن الكاتب كثير الاختزال، لغته التي تميل إلى الرقة والوضوح غالبا تصبح ذريعة للانصراف عن شرح التفاصيل، إلى القدر الذي لا نملك فيه القبض على صورته بتمامها وهو ينتقل من القاهرة إلى بغداد فبيروت وروسيا وانتهاءا بالشارقة، يقدم من خلالها شهادات عميقة على مشاهد الحياة في تلك البلدان، لكنه لا يقدم لنا من أحواله إلا النزر القليل، حتى تكاد السيرة في بعض فصولها أن تستحيل إلى انتقالات بين فنادق ومدن ومطارات ومؤتمرات، فيما الفضول الذي يأخذنا للسؤال عن الجهة التي ينتمي إليها، والمهمة التي كان ينشغل بها، لا يجد ما يرويه، إلا الإشارات العابرة.

لن نعرف الكثير عن الكتب التي دوخته وكانت الغواية الأولى التي جازت به المسافات، إلا ما فاض به الإصدار من اقتباسات تذكرنا باتساع دائرة القراءة وعمقها لديه، فضلا عن التعلق الحميمي بالكثير من الأفلام التي يستذكرها لترميم ثقوب هذه الذاكرة.

كمن يهرب من تفاصيله الشخصية في المنافي، يدعونا للتأمل معه في سيرة الأمكنة، وتأثيرها على الناس، عن معاني الألفة معها، والألفة مع الناس، يجرنا بروح الشاعر لإعادة التفكير في مفهوم الألفة مع الأشياء، يتأمل البحر والمطر والبناءات العتيقة، وهو يوقظ النائم من ذكرياته التي لا يسعها الإصدار.

في“ترميم الذاكرة”كتابة تشبه حسن مدن تماما، لمن يقرأ ويتابع مقاله اليومي في جريدة الاتحاد ستبدو ذات السلاسلة اللغوية، والتطعيمات الأدبية، والذاكرة الوقادة حاضرة في هذا الإصدار، فاللغة هنا ليست في حاجة إلى ترميم كما هي الذاكرة، لكنها ربما بحاجة إلى أن تتحرر هي والذاكرة من مخاوفها، وتردداتها، لتخرج من المنفى الداخلي الذي يجعلنا نخرج بأن سيرة الكاتب لم تكتب بعد.