آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 8:08 م

الحايك وخليل في وشاية الحلم

أثير السادة

يقف عباس الحايك في نصه المسرحي الفائز بجائزة الشارقة“سر من رأي موته“ عن حدود الفنتازيا، وهو يستدرجنا لدخول عالم غرائبي، يسكنه كائنات مشوهة، كأنها على حافة الموت، في عزلة عن العالم الذي نبذهم إلى هوامش النسيان، يخرجهم من صمتهم، ليتحدثوا عن قلق الفقد والموت، وانحسار صور الحب في هذه الحياة، قبل أن يوغل بحكايته في متاهات“خليل”، ذلك الفتى الذي ستهبه أحلامه الضعف والقوة، الخوف والشجاعة، الحب والقسوة في آن معاً!.

في النص تبدو الشخوص أسيرة هذا السجن، أو المعتزل الإجباري، متفاوتة في يأسها وصبرها، في إيمانها وخوفها، حتى لكأن هذه الهواجس التي تطرز شكل أرواحهم هي سجنهم الآخر، تماماً كما انتهى خليل إلى سجين نبوءات الموت التي جرته من سعة الأحلام إلى ضيق السجن إياه، قصص الموت التي ما كانت تطل من نافذة الحلم حتى تستحيل واقعاً جعلت منه كائنا منبوذا،“غراب البين”الذي يخافه الناس ويتحاشون مخالطته، حتى بات يعرف“بصاحب النبوءات والأحلام القاتلة”.

وفي مايشبه المفارقة، تنقلب لعبة الأحلام عند خليل إلى ذريعة لتخويف الناس، إلى استعبادهم، تنقلب قصصه التي كان يخافها إلى مدى مفتوح من الخوف عند الناس، سرعان ما يحيله إلى كائن ممسوخ الروح، يحكم قبضته على أنفاسهم، يماثل الطغاة في سلوكه، إلى الحد الذي كان يتكئ فيه على نبواءاته تلك ليبلغ موقع السلطة.

حكايات الموت متناثرة في هذا النص، فالكلام يحتدم حوله وعنه من المقدمة إلى النهاية، كمن يتلصص على عالم الموتى، كل شخصية تملك خوفها الخاص من هذا الموت، تتباين النبرة، لكنها تنشحن جميعاً بهذه الرغبة بإيجاد مسافة بين وجودها وبين هذا المصير المحتوم، وكان خليل هو المرآة التي عكست ذلك الهلع، المرآة التي لا يريد أن ينظر إليها أحد فيرى صورة موته، الأمر الذي جعل من نزلاء السجن يدفعون به إلى الموت، إلى النفي الأخير، حتى لا يتخطف أرواحهم حلم عابر من رأس رجل مشؤوم.

الحايك في“سر من رأي موته”يراهن على أحلام خليل في صياغة مبنى حكائي من نسل المخيلة، غير أن خيوطها حاضرة في وعي الناس وفي هواجسهم، يضئ الطريق إلى تلك التشوهات التي تختطف شكل وجودنا، وتجعل منا حكاية لبحر ينحسر بلا مد، وأفق بلا بارقة أمل، وفضاء إنساني يتجرد من كل صوره الإنساني، فما يبدو سخرية على“أحلام الموت”هو سخرية كذلك على موت الأحلام في هذا الوجود!.