آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 7:51 ص

يوميات العزل الصحي «5»

أثير السادة

من نافذتك، تنظر في الأفق، وتسأل الصباحات عن ذلك الشيء الذي يطوقك بالخوف، عن ذلك المرض الذي يبدو أكثر مراوغة من سواه، وعن أشياء لا مرئية تريد الهروب عنها، تنفض عن جسمك تعب الأمس، ولا يذهب عنك ما علق برأسك من أسئلة فاضت حولها الإجابات، إلى الحد الذي تسيجت بها وصرت أسيراً لتناقضاتها، الإجابات التي تهبك الذهول والحيرة والارتباك، للمرض أسرار، مقولة يختصرون بها الطريق لكل إجابة، والطريق لكل فضول حمل الناس على تدوير الإشاعات، طمعاً في قراءة طالع هذا المرض.

ما بين التهويل والتهوين تتأرجح أنفاس الناظرين من خلف حواجز العزل، يأخذهم صوت هنا إلى السكينة والطمأنينة، وصوت هناك يسارع من دقاب قلوبهم وهو يذكرهم بطريق النهايات الأليمة، يحدقون في عقارب الساعة، وهم يتحسسون كم من الحرية خسروا في هذا الظرف الطارئ، الجغرافيا التي كانت حصنهم بالأمس، باتت عنوانا لعزلتهم، أمامهم بحر أزرق يكتم الكثير من الأسرار، ووراءهم بحر متلاطم من الإشاعات، لا يعرف إلا المد!.

الشوق للخروج من الدائرة المغلقة لا يعادله إلا شوق الوصول إلى خط النهاية في سباق مارثوني، فكلما استطال الوقت في العزلة سيخسر الناس جاذبية المكان الذي يحيون فيه، وسيطمعون بتضاريس أخرى، منصات للنزهة والفرح ألفوها أكثر من غيرها في نهاية الأسبوع، فضاءات كانوا عنوان الحياة فيها، قبل أن تقفل الأبواب على زائر لا مرئي مازال البحث جار عنه!.

للعزلة طقوسها، ومزاجها، هواجسها واحترازاتها، وليلة البارحة كانت ساحة للتنازع حول ما ينبغي وما لا ينبغي في فترة العزل، على هامش التجمع الشبابي الكبير في أطراف الشاطئ بالقطيف، خرجت مرافعات واعتراضات تنبئ جميعها عن تحولات الخوف من المرض، ففي قبال صبية أخذتهم غواية اللعب إلى الاستعراض والتجمهر، يقف آخرون ممن ثقل عليهم الحصار ويخافون أن ينتهي إلى ما صاروا يتحدثون عنه صراحة وهو حضر الخروج والتجمع، يخافون أن يتحول هذا الوطن الكبير في عيونهم إلى مجرد محجر صحي، لا يرون منه إلا رفيف الطيور في السماء!.

اليوم هو الجمعة، وهو عنوان اجتماع الناس، فيه يجتمع المؤمنون للصلاة في مساجد الله، ويجتمع الأهل والأحباب في عادات لم يجرفها الوقت، والمرض لا يفرق بين تجمع للعبادة وتجمع للتسلية، رجال الأمن يتهؤون لحراسة الصلاة، غير أنه من المرجح أن تخف أرجل الناس عن المشي للمساجد، وأن تعلق الصلوات في معظمها، بيد أن بهجة العطلة الأسبوعية ستتسع، وتصبح دافعا للتلاقي بين الأسر، فحيث تنحسر فسحة الفرح وأماكن النزهة سيختار الناس أن يحاصروا خوفهم باللقاء والاستمتاع بما تبقى من مظاهر لا يخالجها الحزن والقلق.

وهكذا هو المرض: واحد والتآويل كثيرة، وما يفعله الناس هو محاولة التظاهر بالانتصار عليه معنويا، يتحصنون بشيء من الوعي وشيء من الأمل، غير أنهم يحاربون لأجل أن لا يحملوا إلى ما هو أبعد من العزلة الجغرافية، إلى عزلة العواطف، وعزلة الجدران، كلما عبرت طائرة من سمائهم، تذكروا كم حلما طائرا مازال رابضا في مطاره، بانتظار إعادة جدولة، وفتح المسار ليعبر، وبه تعبر تشوفات هذه الأرواح التي جبلت على الانتقال بحرية، والتنفس برئتين مفتوحتين على كل الدنيا.