آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

يوميات العزل الصحي «12»

أثير السادة

نقترب الآن من إكمال الأسبوع الثاني من فترة العزل الصحي، تابعنا فيه قصصاً وأخباراً يومية عن إصابات جديدة داخل خط العزل وخارجه، كما شهدنا تتابع القرارات وتكاثر الحواجز من حولنا، كان كل شيئ خلال الأسبوع الذي مر يوحي بأن قصة المرض للتو بدأت، وأن الذين يطمعون بلحظة النسيان لفصوله - المنهكة للعقل والقلب معاً - أمامهم وقت طويل لبلوغ هذه اللحظة، فجمرة الخوف مازالت متقدة، وتدفع باتجاه المزيد من الحذر والاستعداد، على المستوى الرسمي والشعبي.

مؤكد بأن الواحد منا لا يريد أن يسمع أخباراً تبعث على المزيد من الكدر في نهاية المدة المفترضة للعزل، أو هكذا قدرها الناس، سيفضل الناس حشد أنفاسهم عند آخر ساعة من ساعات اليوم الرابع عشر، لينهضوا صباحاً ويعبروا إلى الحياة بلا موانع، يطمعون في الخروج من“غرف الخوف”التي فضحت رغبتنا في مماثلة النوارس في التيه بالفضاء، كما فضحت طفولتنا التي تشتهي مراوغة رسائل الوعظ والتوجيه.. الركض في كل الاتجاهات هي مطمع الواقفين على حد الانتظار لنهاية العزل، يصقلون أمنياتهم ورغباتهم وهو يدركون بأن خروجهم من العزل لن يشبه ما قبله حتماً.

جاء العزل والمخاوف تتصاعد لجهة الأرقام التي أفصحت عن زيارتها لإيران، فكانت الخيالات تتناسل كالأرانب، ماذا عسى أن يصنع هؤلاء بالمختلطين بهم، في مدن جرت فيها العادة أن يستقبل العائد من تلك الزيارات الدينية بالحفاوة والترحاب الكبيرين، أغلق الباب يومها وبدأ العزل لجرد الحساب، أحداق الوطن كلها تنظر وتنتظر النتائج التي ستقرر حجم الوباء وانتشاره، كانت البوصلة في الأزمة تشير إلى هذا الإقليم بالتحديد، الأمر الذي أثار هلع الناس وتذمرهم معاً، مساحة المرض لم تكن واضحة، وسلوك الفيروس لم يعرف بعد، فكان الاحتياط هو الخطوة الأولى في التعامل مع المشهد الجديد.

مرٌ هو طعم العزل الكامل للمدينة، كأي دواء لا يستلذ به، غير أنه يهون ساعة نحظى بحلاوة الشفاء، بدا هذا الدواء وكأنه يعطى على جرعات، من العزل للمداخل والمخارج، إلى عزل المساحات العامة، وصولاً إلى مواقع التجمعات والمطاعم، وكل ما يمثل بيئة محتملة لنقل المرض، وحتى الدعوة إلى البقاء في البيوت، وتقييد الحركة خارجها إلا عند اللزوم، ضاق الفضاء من حولنا وتباعدت المسافة بين الناس، وصار كل واحد يسكن في جزيرته الخاصة، جزيرة من الأفكار والأوهام والعواطف، يقاتل من أجلها حتى يصل إلى بر الأمان.

الآن تغير مشهد المرض على مستوى الوطن، لم يعد الفيروس إيرانياً، ولم يعد المريض قطيفياً، بعد أن حملته الأجساد الأخرى العابرة من المنافذ والمطارات، شهادات المرض باتت تصدر من دول عدة، طاف بها الفيروس، وتوغل في أجساد الزائرين لها، وهو الأمر الذي استوجب الذهاب إلى حزمة إجراءات أكثر حزم وصرامة، بدأت بتعليق الرحلات الدولية، ولم تنتهي عند إغلاق المجمعات التجارية، في إشارة دالة على الإصرار لمحاصرة المرض.

هذه طبعاً أخبار غير سارة، لا تكف عن حصارنا وهي تطل من كل مكان، غير أن السار في المقابل هو تراجع القلق من الحالة الصحية لمنطقة العزل الصحي، ووعدم تسجيل أي حالة وفاة من جراء الفيروس على مستوى الوطن حتى الآن، وتسابق الدول الكبرى على استكمال الخطوات اللازمة لطرح أول علاج للمرض، والخيالات التي احتشدت على باب المخالطين لم تجد لها طريقاً على مستوى أرقام الإصابات، فضلاً عن ازدياد الوعي والالتزام على المستوى الشعبي تجاه هذه الأزمة.. هذه المؤشرات وسواها تأخذنا للاعتراف بأن الوضع تحت السيطرة، وأن التدابير الوقائية قادرة على اصطياد هذا الكائن المتخفي ومحاصرته، وأن الأفق يحمل في ثناياه جواباً عن سؤال الأجساد المريضة.

فهل هذا يعني بأن العزل الصحي في طريقه للانتهاء؟.. لأعترف بأني لا أعرف التنجيم، ولا أملك قدرة المحللين في سوق الأسهم، ولا أعلم الغيب، ولا أقرأ الفنجان، لكني أنظر بعين الأمل، وبعين الحقائق الماثلة على الأرض، وأرى بأن الكثير من موجبات العزل قد تلاشت، وأن نسخة محسنة من العزل تجري الآن على امتداد الوطن، ما يعني أن الخروج من العزلة لا يعني العودة إلى ظروف ما قبل الإعلان عن أول إصابات الفيروس، فالطريق إلى الدمام أو الخبر والأحساء إذا ما فتح لن يوصلك بالضرورة إلى وجهاتك التي كنت تقصدها بالأمس، عندها يلزمك معاودة تكييف مشاعرك وتوقعاتك، والاستمرار بالدعاء لسلامة الوطن.