آخر تحديث: 6 / 4 / 2020م - 10:20 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«الكيس الأسود» يا ولدي

محمد عبد الله العيسى * صحيفة الرأي السعودي

لم يستطِع «أمجد» أن يمنعَ دموعَه من الانهمار على وجنتيه وهو يقرأ تلك الورقة التي تركها أبوه في صندوقه التّجوري بجانب وصيّته، وكأنّ أباه - رحمه الله - حرص على أن يقرأ نجله الأكبر هذه الورقة كحرصه على قراءته للوصيّة ذاتها.

عندما فتح «أمجد» هذه الورقة ووقع نظرُه على عنوانها الغريب «الكيس الأسود يا ولدي»، ظنّ أن أباه قد خبَّأ له أشياء ثمينة في كيس أسود، وأن هذه الورقة سوف ترشده إلى مكان هذا الكيس وتفصح عن محتوياته الثمينة، فراح يلتهم هذه السطور بعينيه:

ابني العزيز أمجد، أرجو أن تكون بخير وصحة وعافية عندما تفتح هذه الورقة وتقرأ سطورَها بعد أن أكون أنا قد أسلمت روحي إلى بارئها، لعلّك تتساءل الآن عن الكيس الأسود وما المقصود منه، إنه كيس النفايات يا ولدي، هل تعلم لماذا يضعون المخلّفات في كيس؟ ولماذا في الغالب يكون أسود؟ لأن النفايات في الغالب تكون كريهة المنظر أو الرائحة وتسوء الناظر، ولذلك فالكيس يحجب هذه المناظر كي لا تؤذي الآخرين. واعلم يا بني أن هناك مشاعر أساءتني في حياتي كثيرًا ولكنني حجبتُها عنكم أنت وإخوانك حتى لا تؤذي مشاعرَكم، وبالخصوص أنكم أنتم سبَبُها، لم يطاوِعني قلبي يا ولدي أن أجرحكم بمصارحتكم بها في حياتي، وآثرتُ أن أؤجل البوح بها إلى ما بعد رحيلي عن هذه الدنيا لعلّها تكون لكم درسًا تتعلّمون منه شيئًا.

كانت العاملة المنزلية تخرج هذا الكيس الأسود صباح كل يوم من داخل المنزل وتضعه بالقرب من المدخل الرئيسي للمنزل لأننا منعناها من الخروج إلى الشارع، وكنتَ أنت وأخوتك تمرّون على هذا الكيس دون أن يلتفت إليه منكم أحد، وكنتُ محتارًا جدًا في تفسير تجاهلكم التام لهذا الكيس رغم أنكم تعلمون أن عدم رميكم له في حاوية الشارع يعني أنني أنا الذي سأقوم بذلك.

وكنتُ في كل مرة أحاول جاهدًا أن أبحث لكم عن مبرّرٍ معقولٍ لهذا التجاهل، فمرةً أقول لنفسي لعلّهم مشغولو البال فلم ينتبهوا لهذا الكيس، ومرةً أقول لنفسي لعلّهم في عجلةٍ شديدةٍ من أمرهم ولا وقت لديهم للالتفات لهذا الكيس.

ولكن كل محاولاتي لإيجاد عذرٍ لكم لم تصمد أمام الحقيقة المؤلمة التي كانت تُلِحُّ علي، والتي لم تَعْدُ في نظري أحدَ شيئين، وهما إما أنكم لا تشعرون بالمسؤولية، أو أنّ رميَ القمامة عملٌ استقذرتموه ولم تقبلوه على أنفسكم ولكنكم ارتضيتموه لأبيكم، وهما أمران أحلاهُما مُرٌّ.

لقد صبرتُ على كثيرٍ من عدم شعوركم بالمسؤولية، كنتم لا تتنازلون عن أي شيء من رغباتكم وكنتم تسرفون في الاستهلاك رغم علمكم بمعاناتي في توفير الأموال اللازمة لذلك في هذا الوقت التي غلت فيه الأشياء وصعب فيه التوفير، لقد كنتم تتركون الأنوار مضيئةً في غرفٍ خالية، وكنتم تفتحون المكيّفات في الأجواء المعتدلة وتلتحفون بالبطّانيات، ولكنني صبرتُ على كل هذا العبثُ والأنانية واللامبالاة خوفًا من أن تتهموني بأنني أمُنّ عليكم.

ولكن الذي لم أُطِق عليه صبرًا يا ولدي هو تجاهلكم لذلك الكيس الأسود، كنتم تعلمون أنني لم أتردّد في مواجهة كل مصاعب الحياة وذلّها وهوانَها لكي أوفّر لكم مؤونتكم وحاجياتكم؟ فلماذا استكثرتم عليّ أن تشاركوني في تحمل جزءٍ بسيطٍ من ذلك الهوان؟ لماذا استكثرتم عليّ حملَ هذا الكيس من البيت إلى الخارج؟.

بعد قراءته لهذا النص، مسح «أمجد» دموعَه الغزيرة، ولكن دموع كثيرٍ من الآباء لا تزال جارية.

توستماستر متميز وبطل الخطابة الفكاهية في الخليج والسعودية 5 مرات