آخر تحديث: 5 / 4 / 2020م - 6:12 م  بتوقيت مكة المكرمة

تَمشيط الذاكرة

اختفت كل الأصوات تقريباً مع حلول الساعة السابعة من مساء 25 آذار/ مارس، وكأن الحياة كلها رقدت ونامت!

كان والدي يعمل دون كلل أو إجازة يقسم أشهر السنةِ بين الفلاحةِ والبحر وفي المهنتين كان له رفقاء. هذه الأزمة ذكرتني كم كان مسالماً مع اصدقاءه من المهنتين، دائم السؤال عنهم ولا يطلب منهم أكثر من ود الصداقة والصحبة. لم تسجل ذاكرتي غير الأنس والألفة بينه وبينهم، وكلما مضى واحد منهم أحس بغربة.

مرض مدة ولازم الفراشَ سنوات قبل ارتحاله وكلما زرته كان يسألني عن شيئين لا غير: ماذا فعل فلان وماذا فعل فلان؟ ويعد أسماء أصدقائه واحداً تلو الآخر! وأنا أقول له فلان بخير، وإن لم يكن بخير، فلم أشأ أن أزيده جرعةً  مضاعفة من الوجع. ثم السؤال الثاني: هل ما زال فلان يدخل البحر؟ وأنا أجيب بنعم أو لا. كان رحمه الله عليه يرى نفسه فيهم.

في هذه الأزمة عرفت كم كان جميلا تذكره لأصحابه، سجية وخلق وددت أن ورثتها منه ولو قدر المستطاع، فسارعت مؤخراً في تمشيط ذاكرة الهاتف وسمعت اصوات بعض الاصدقاء. أنا ممن يحب سماع نغمة الصوت في جبال فرحها وفي وديان أحزانها، ولم أعتد البتة الرسائلَ الصامتة. الصوت عندي أعذب وأرق نغمةً من الرسالةِ المجانية التي تُقص وتلصق تخفيفاً للعبءِ والزحمة.

كما أرسلت رسائل لبعض من لم استطع سماع صوته، فاجأتهم برسالة تذكرهم جمال الساعات التي قضيناها معا. تفعل الأزمات أحياناً أجمل الأفاعيل وتذكرنا بأن حبل المودة يجب أن يكون أقوى من حبل الأزمات. اعتدنا أن نسأل من يتصل بنا عن سبب الاتصال، ليس من باب أداء الواجب في قضاء حاجته، بل من باب الاستغراب أن أحداً ما في العالم يسأل عن صديق من أجل السؤال! الآن اغتنم الفرصة ومشط ذاكرة هاتفك حيث الأزمة أعطتك الجواب.

يا ترى هل أن الحياة المادية الحديثة أضعفت الروابط الوجدانية بين البشر، وانقلبوا آلات إنتاج همها الأوحد جمع المال والثروة والأرباح على حساب الفضائل النبيلة؟ من المحتمل، إذ أن هذه الأزمة أحيت الروابط الانسانية وزادت من جرعات التكاتف والتعاضد الفردي والمجتمعي. في الحياة كم كبير من الثوابت والمتغيرات، فلابد أن يكون الصاحب وحسن الصحبة أحد الثوابت ولا يجوز أن يكون ناتج الحداثة الأنانية وأن ينتفي ثبات ودوام الصداقات.

مستشار أعلى هندسة بترول