آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 5:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

الكنبة الكبيرة

محمد عبد الله العيسى * صحيفة الرأي السعودي

اشتريتُ في حياتي أطقمًا كثيرة من الكنب، ولكن طقم الكنب الأحمر كان مختلفًا عن تلك الأطقم في كل شيء، لقد كان فخمًا ووثيرًا وكبير الحجم، فقد كنتُ أستلقي أحيانًا على الكنبة الكبيرة وأغط في النوم حتى الصباح وأنا في غاية الارتياح وكأنني على سريري.

لم ينحصر اختلاف هذا الطقم عن بقيّة الأطقم في حجمه الكبير وفخامته، بل كان مختلفًا عنها من ناحيةٍ أخرى، فبقية الأطقم عندما كنتُ أعرضُها للتبرّع لمن يحتاجها، وذلك بعد استخدامها لفترة وبعد أن ترتفع مطالبات سيدة المنزل بتجديدها، فسرعان ما كنتُ أجد من يحتاجها ويأتي لأخذها، أما هذا الطقم الأحمر فكلّما عرضتُه للتبرّع لم يكن يرغب فيه أحد، رغم فخامته وجمال شكله وحالته الجيدة جدًا، كانوا يقبلون الفكرة في البداية ويطلبون منا صورًا للكنب، وعندما نرسلها لهم الصور يعتذرون بأدب عن قبوله.

كان الأمرُ محيّرًا لي في البداية حتى اكتشفتُ الحقيقة المؤلمة، معظمُ المحتاجين ممّن يستقبلون التبرعات هم في العادة من أصحاب المساكن الصغيرة والضيقة، ومثل هذا الكنب الكبير لم يكن مناسبًا أبدًا لهم، فبعض هذه المساكن أبوابها ضيّقة لا يمر منها هذا الكنب، وبعضهم لم يكن عنده في مسكنه صالة أو غرفة تكفي لاحتواء هذا الكنب، أو أنه لو وضع هذا الكنب فيها لقضى على جلِّ مساحتها.

من المؤلم جدًا أن يكون حجمُ كنبِ بعضنا أكبر من حجم سكنِ بعضنا الآخر، وأننا رغم ذلك فإننا لا نشعرُ بضيقهم ولا بآلامهم، وأنّ أقصى ما نشعر به من ضيقٍ وألم هو زهقُنا وتبرُّمنا ممّا نسميه «الروتين»، الذي لو فكّرنا في معناه قليلًا لوجدنا أنه لا شيء سوى «نعمة» استمرت ودامت علينا.

بيوتنا الفارهة وكنبنا الفاخر ليست النعم الوحيدة التي قد نتبرّم من استمرارها ونتوق إلى تغييرها تحت عنوان الملل من الروتين، واسأل الكورونا اليوم عن الكثير من أمثال تلك النعم، فالكورونا جعلنا ندرك قيمة كثير من النعم التي طالما كنا نتمتع بها ولكن من دون أن نشعر بقيمتها، حينما جعلنا نتمنى فقط أن تعود لنا كما كانت، وجعل مثل هذه العودة تبدو لنا كالحلم البعيد.

توستماستر متميز وبطل الخطابة الفكاهية في الخليج والسعودية 5 مرات