آخر تحديث: 13 / 7 / 2020م - 8:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

كورونا.. التعقل

محمد أحمد التاروتي *

تختلف اتجاهات الأشخاص في التعامل مع جائحة كورونا، باختلاف الانعكاسات النفسية والاجتماعية والمادية، مما يفسر طريقة التعاطي مع الازمة الحالية، وبالتالي فان محاولة قراءة ردود الأفعال وفق ”مقياس“ واحد، يعطي انطباعات غير دقيقة، وأحيانا مغلوطة، نظرا لاختلاف الأسلوب المستخدم في استيعاب ”صدمة“ الجائحة على الصعيد الفردي، بمعنى اخر، عملية الوصول الى لب الحقيقية يتطلب الكثير من الجهد، والبحث قبل اطلاق الاحكام المسبقة على الاخرين.

معرفة المحركات العاطفية لاتخاذ المواقف الخارجية، تجاه الاليات المناسبة للتعامل مع جائحة كورونا، احد المفاتيح الأساسية لاحداث اختراقات حقيقية، خصوصا وان الجدران النفسية والمادية تمنع الوصول الى الحقيقة الناصعة، مما يستدعي الاستفادة من الجوانب العاطفية لاكتشاف بعض الجوانب المحركة لاعتماد مواقف معينة، لاسيما وان صوابية الاتجاهات في مختلف القضايا تبقى نسبية، وقابلة للمراجعة على الدوام، وبالتالي فان اطلاق الاحكام على الاليات المستخدمة لمعالجة جائحة كورونا، تتطلب الكثير من التوقف والمزيد من الوقت، نظرا لخضوع الكثير من المواقف للاخذ والرد، مما يعني ان الوقوف على الاتجاهات الصائبة مرهون بالتجربة العملية، وليست بالمواقف النظرية.

كورونا لا ينظر اليها كمرض جسدي، فهناك الكثير من الجوانب الاجتماعية، ذات الأثر المباشر على البشرية جمعاء، فالمجتمعات البشرية باتت في وضع مغاير تماما للحياة الطبيعية السائدة منذ عقود كبيرة، وبالتالي فان جائحة كورونا تدخل ضمن العديد من الملفات ذات العلاقة المباشرة بالتفكير البشري، والمنظور الثقافي، وأحيانا بالاثر الفلسفي، خصوصا وان الأيام الماضية كشفت الكثير من التفاعلات غير المألوفة، مع انتشار وباء كورونا على كوكب الأرض، حيث يتباين التفاعل وفقا للمستوى الثقافي، وكذلك نتيجة النظرة الاجتماعية، فكل طريقة تتطلب وضع أساليب مختلفة عن الأخرى، كما ان عملية التعامل تختلف من شخص لاخر، مما يستدعي وضع الأمور جميع الخيارات مفتوحة في المرحلة الحالية.

التريث في اطلاق الاحكام تجاه ردود الأفعال تجاه جائحة كورونا، يمثل الخيار الأكثر قدرة على امتصاص الانفعالات غير المناسبة، لاسيما وان المرحلة الحالية تتطلب البحث عن الحلول الجامعة، عوضا من الدخول في القرارات الانفرادية، خصوصا وان الازمة تهدد الكيانات الاجتماعية، ولا تقتصر على فئة دون أخرى، فالوباء يتعامل بقاعدة ”الكل سواء“، مما يستدعي انتهاج اليات ذات مفعول جماعية، واستبعاد كافة الخيارات الأحادية، نظرا لأهمية ”جمع الكلمة“ في الظرف الاستئنائي القاهر، فالخروج عن الاجماع في الظرف الحالي يعطي نتائج سلبية، ”الشاردة للذئب“، والسير بعكس التيار.

انتهاج سبيل التعقل ينم عن رجاحة، وقدرة على السيطرة على الأمور، في الأوقات الصعبة، فيما القرارات الارتجالية تكشف قصورا في التفكير، وانعداما في التعامل الحكيم في الأوقات الحرجة، وبالتالي فان ميدان كورونا يمثل اختبارا حقيقيا، لدى أصحاب الاتجاهات الفكرية، والاجتماعية، والعاطفية، بحيث تكشف الاستعداد النفسي للاستفادة من الازمة بطريقة مثالية، خصوصا وان الازمة تمثل سوقا رابحة لدى البعض، وخسارة لفئة أخرى، وبالتالي فان محاولة تجيير الازمة الى عنصر إيجابي عبر التفاعل المدروس، امر مطلوب في الظرف الحالي، وذلك عوضا من اتخاذ الانفعالية طريقا للتعبير عن المواقف، فهناك الكثير من الازمات شكلت نقطة انطلاقة للعديد من الكيانات الاجتماعية، من خلال وضعها ضمن مسارات التحدي، مما دفعها للبحث عن النقاط الإيجابية بالدرجة، بهدف تعظيمها وتحجيم الجوانب السلبية.

اتخاذ الاليات العقلانية يتمثل في وضع الأمور في المسارات السليمة، لاسيما وان الإجراءات الاحترازية لتقليل الخسائر المادية والمعنوية، تشكل احد الطرق المناسبة للتعامل العقلاني مع جائحة كورونا، لاسيما وان العاقل يتحرك وفق الخيارات المتاحة، ويعمل بطريقة متوازنة في كافة الاتجاهات، الامر الذي يتمثل في وجود العديد من الوسائل القادرة على تحريك الطاقات المدفونة، خصوصا وان ازمة كوورنا الحالية وضعت الجميع، في مواجهة امام تحدي الخيارات الانفعالية، والمعالجات العقلانية، مما يفرض التعامل بطريقة ذكية، لانهاء الازمة بشكل مناسب.

كاتب صحفي