آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 10:17 ص

سوالف مطر

أثير السادة

الغيم يغطي السماء حتى هذه اللحظة، ووعود المطر تطرق أبواب البلدات المعزولة، ريح وغبار فمطر، هي نكهة الأجواء في أول الربيع، تتباعد الغيوم عن بعضها ثم تلتم ثانية، ليخفت الضوء في السماء شيئاً فشيئاً، لا ظلال في الشوارع إلا ظلال الغيم في بقع الماء المتناثرة على أطرافه، حتى العصافير تخففت من حكاياتها الصباحية، كأن دقات قلبها تتبدل مع دقات المطر، تتوسل الأغصان الصغيرة من أجل الاختباء عن بلل سيستحيل إلى ذكرى عما قليل.

المطر يمسح عن وجه المدينة غبار الأيام الفائتة، يؤثث المكان بقطرات تعوض غياب الناس، فيما تذهب الشمس في استراحة قصيرة. أنفاس المطر حياة، وولادة جديدة، كانت المرازيم الخرساء في بيوت الأمس تعزف ألحانها في يقظة المطر، والأطفال يعلقون مخاوف الأهل بالبيت ويركضون في اتساع الماء المنهمر، والأمهات يلتقطن في كؤوس الرجاء بعضاً من القطرات لأجل البركة.. وفي تباعد المسافات، وعزلة النوافذ، يجول المطر وحيداً في الأزقة، يهتف للحياة ولا صدى لهتافه، فيحبس ما تبقى من دموعه ثم يرحل!.

قليل من البرق والرعد ينهض من سبات اليوم، يذكرنا بمشاعر الوحشة التي يجلها الضوء والصوت، كمن يحب المطر ولا يحب مقدماته، ننظر في كل الجهات بحثاً عن أثر البرق، ولا ندري إن كان ذلك عنوان بهجة أو قلق، صرنا نطارده للتصوير، نعلق آمالاً على اصطياده في الأفق، لنجعله مرئياً دائماً، ونحيله إلى لحظة ساكنة للأبد.. نكبر ويبقى فينا قلق الطفل من الظواهر الطبيعية، تروضنا دروس العلوم، لكنها لا تروض صور الطفولة التي ترافقنا بقية العمر، لذلك للمطر رائحة الخوف والفرح، ذاكرة الولادة والموت، كلما اشتد في هطوله انزاحت النظرة إليه باتجاه التآويل الحزينة والذكريات الثقيلة، واحتمالات الخراب التي تنتهي لها موجات المطر الشديدة.

هكذا يعبرنا المطر كمشاعر متناقضة غالباً، ومزاج متقلب على حد وقعه وآثاره، يبعثر خواطرنا وذكرياتنا، وينثر على رؤوسنا حيرة الوالهين والخائفين، صوته الوادع في مواسم الربيع لا يكفي لنسيان قصيدة السياب، ولا العواصف الترابية التي مرت، ولا أرقام الإصابات التي يمطرنا بها متحدث وزارة الصحة، لذلك نحبه بحذر، ونراقبه وهو يعبر رشيقاً ونحن نطمع في أن يطهر الأرض والسماء من كل العوالق التي تحجب البهجة.