آخر تحديث: 13 / 7 / 2020م - 8:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «3»

محمد أحمد التاروتي *

بركات شهر رمضان الظاهرة والباطنية كثيرة، فالجميع يتلمس تلك البركات، بشكل واضح في الكثير من المظاهر الخارجية، مما يجعله اكثر الشهور ترحيبا واستقبالا، من لدن كافة المسلمين في ارجاء العالم، فالتموجات الداخلية التي يحدثها الشهر الكريم في النفوس، تبرز على شكل ممارسات خارجية، بحيث تترجم على شكل المسارعة، في اعمال البر تقربا الى الله، ونيل رضوانه خلال الشهر الكريم.

الامتناع عن الاكل والشرب يمثل مصداقا ملموسا، لرغبة المسلم التقرب الى الله، فالصيام تجسيدا عمليا للانصياع للأوامر الإلهية، وبالتالي فان الالتزام بمقتضيات شهر المغفرة يحدث انعكاسات على كثيرة على النفس البشرية، بحيث تترجم على السلوك الخارجي في شبكة العلاقات الاجتماعية، فالمرء يحاول وضع تلك الممارسات في المسارات السليمة، وانتهاج الوسيلة المناسبة للإبقاء على الأهداف الظاهرة، لفريضة الصيام، لاسيما وان الكثير من المرامي ما تزال غير مدركة للإنسان من وراء اختيار هذا الشهر للصيام، فالكثير من الأشياء التي تتداول ما تزال غير قادرة، على سبر اغوار تلك الأهداف الربانية، لفرض الصيام على المسلم لمدة 30 يوما.

بالرغم من الكتابات الكثيرة التي تناولت فضل شهر الصيام، على بقية شهور السنة، فان بحر الصيام ما يزال قادرا على اخراج الكثير من كنوز، للراغبين في الحصول عليها، لاسيما وان عملية الإبحار في أعماق شهر الصيام، ما تزال غير متاحة الجميع، نظرا للافتقار للادوات القادرة للوصول الى قاع بحر الصيام، مما يدفع للتعامل مع الوجه الظاهر، دون القدرة على كشف اسرار الأعماق السحيقة، التي تحوي الكثير من المعاني والحقائق الكثيرة.

عملية التعاطي مع بركات شهر الصيام، مرتبطة بمستوى العلاقة مع الخالق، والقدرة على إزالة الحواجب المعنوية والمادية، العالقة على النفوس نتيجة الاعمال السيئة، وبالتالي فان رفع تلك الحجب يسهم في الاغتراف من معين شهر المغفرة والرضوان، بالإضافة لذلك فان ارتقاء مستوى التفكير البشري والتقدم العلمي، يساعد في التعرف على بعض بركات الشهر الفضيل، فهناك العديد من الأمور الخافية بقيت طي الكتمان، ولكنها ظهرت للعيان مع التطور العلمي، مما ساهم في اماطة اللثام عن بعض تلك الاسرار الكثيرة، للامتثال للامتناع عن الجوع والعطش لساعات طويلة.

محاولة التعرف على مرامي شهر الصيام، تبقى ضمن الاجتهادات البشرية الساعية توجيه البوصلة تجاه احدى العبادات العظيمة، اذ لا يستطيع المرء الجزم بالتوصل الى تلك الأهداف الحقيقة، فالعملية خاضعة للقدرة على القراءة للنصوص الدينية، ومحاولة تفسيرها بطريقة مناسبة، خصوصا وان المستوى العلمي يحدث الفرق في القدرة على تناول الاحاديث، بما ينسجم مع الأغراض الدينية والدنيوية لفريضة الصيام، وبالتالي فان المحاولات البشرية ستواصل عطائها، من اجل تشكيل الثقافة المجتمعية المناسبة، لتعظيم بركات الشهر الكريم، على الفرد أولا، والمجتمع ثانيا.

الحرص على الاستفاضة من بركات شهر المغفرة، يمثل المحرك الأول باتجاه الخروج بحصيلة جيدة بشكل يومي، خصوصا وان مستوى التحصيل يختلف تبعا للقابلة الذاتية، بحيث تنعكس على المظهر الخارجي، بالإضافة لذلك فان الانعكاسات الرحمانية لشهر رمضان، تظهر عبر الكثير من الممارسات على الصعيد الاجتماعي، اذ تمثل ”السلات الرمضانية“ احدى مظاهر بركات الشهر الفضيل، بمعنى اخر، فان مجالات البركة في الشهر الكريم متعددة، ولكنها تصب في قناة واحدة، وهي الرغبة في نيل رضون الله، والعمل على تطهير النفس من الشوائب العالقة، بواسطة مخالفة الذات والاكثار من الاعمال الاجتماعية، المنسجمة مع بركات شهر المغفرة، خصوصا وان ”الفرصة تمر مر السحاب“ مما يستدعي اقتناصها، وعدم التراخي في استغلالها بالشكل المناسب.

" أيُّها النّاس، إنَّ شموسَ شهر رمضان لَتَطلُع على الصَّائمين والصَّائمات، وإنَّ أقمارَه ليَطلع «لَتَطلُع» عليهم بالرّحمة، وما من يومٍ وليلة من الشَّهر إلَّا والبِرُّ من الله تعالى يتناثرُ من السَّماء على هذه الأمّة، فمَن ظفر من نثارِ الله بدرّةٍ كَرُم على الله يوم يلقاه، وما كَرُم عبدٌ على الله إلَّا جعلَ الجنّة مثواه".

كاتب صحفي