آخر تحديث: 13 / 7 / 2020م - 8:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «4»

محمد أحمد التاروتي *

يمتاز شهر رمضان المبارك بقدرته الاستثنائية على شحن النفوس بطاقة روحانية كبيرة، اذ تبدأ القلوب تهفو الى العبادة بمجرد اعلان ثبوت هلاله، فالمساجد تعمر بالاف المصلين في جميع الفرائض، بهدف الاستضافة من العطاءات الروحية لشهر الصيام، خصوصا وان الطاقة الروحية التي تبثها بيوت الله تنعكس بصورة كبيرة، الامر الذي يفسر الحرص الكبير على أداء الفرائض في المساجد ”لا صلاة لجار المسجد“، فالعملية ليست قاصرة على الثواب الكبير للصلاة في المساجد، سواء كانت جماعة او فردية، وانما للانعكاسات الروحية التي تتولد من وراء الالتزام بالمداومة على أداء الصلوات في بيوت الله.

الطاقة الروحية الكبيرة لشهر المغفرة تتجلى في العديد من المظاهر الحياتية، سواء على الصعيد الفردي او الاجتماعي، حيث تنطلق رحلة الانعكاسات الروحانية منذ اللحظات الأولى للصيام، فالصائم حاول اخذ تلك العطاءات الروحية بشتى الطرق، فتارة عبر الاكثار من الصلوات والعبادات، وأخرى من خلال المداومة على الادعية ”الدعاء سلاح المؤمن“، وثالثة من خلال تهذيب السلوكيات الخارجية عبر تصفير الخلافات مع الاخرين، لاسيما وان مضامين رحلة الصيام تتجاوز الامتناع عن الاكل والشرب، لتعبر الجانب الاخر «الخفي» من حياة الانسان غير الملموس، فالطاقة الروحية تمثل جانبا هاما وكبيرا في مواجهة المغريات الحياتية، باعتبارها احد الاخطار الكبيرة التي تهدد قدرته، على العبور الى مرضاة الله ورضوانه.

وجود محطة زمنية سنوية قادرة على بث طاقة الروحية في النفوس امر أساسي، خصوصا وان المغريات الحياتية قد تحرف السلوكيات البشرية باتجاه الكثير من التيارات المختلفة والخطرة، مما يستدعي التوقف في محطة لاعادة المسيرة بالاتجاه السليم، وبالتالي فان شهر رمضان يلعب دورا حيويا، في تهيئة النفوس لمواجهة المعركة المصيرية مع الاهواء والشهوات، خصوصا وان الغفلة بمثابة الثغرة القاتلة في حياة الانسان، بمعنى اخر، فان الاستفادة من محطة الصيام تمثل الفارق بين الصائمين، فهناك من يخرج من شهر المغفرة بنتيجة متواضعة، وهناك من يتزود بطاقة روحية كبيرة، مما يجعله اكثر قدرة على الصمود في معركة المواجهة، مع الاهواء والشهوات سواء على اختلافها.

من تفضل الله سبحانه وتعالى على عبادة في شهر رمضان، تهيئة الأجواء المناسبة للتزود بالطاقة الروحية، من تحييد الأدوات الشيطانية ممارس التحرك بحرية، بهدف فتح المجال الواسع مع الصائم للحصول على الشحنة الروحية اللازمة، لمواصلة مشوار الصراع الدائم مع النفس الامارة بالسوء، حيث تكفل الخالق بتهيئة الأجواء للمسلم للأنتصار على الذات وقطع الطريق امام جميع الشياطين ”الانس والجن“ من خدش الصيام، ”هو شهرٌ الشّياطينُ فيه مغلولةٌ محبوسَة“، وبالتالي فان أسباب الحصول على الطاقة الروحية متوافرة، لدى الجميع منذ اللحظات الأولى، لدخول شهر رمضان المبارك.

الاهتمام الكبير بشهر الضيافة باعتباره من افضل الشهور، يعكس الدور غير الاعتيادي، الذي يلعبه في تزويد المسلم بالطاقة الروحية العالية، فالجانب المعنوي يساعد في تهذيب النفس، ويدفع باتجاه التقرب الى الخالق، لاسيما ان الجانب المادي ليس قادرا في الغالب، على احداث تحولات جذرية في توطيد وتوثيق العلاقة مع الله، وبالتالي فان البرامج الروحية التي تمتاز بها أيام وليالي الشهر الكريم، تحدث اثارا كبيرة على المدى القريب والبعيد، بيد ان التحدي الكبير يتمثل في القدرة توظيف الطاقة الروحية، بالشكل الملائم في المسيرة الحياتية، ”عبادَ الله، إنَّ شهرَكم ليس كالشُّهور؛ أيّامُه أفضلُ الأيّام ولياليه أفضلُ اللّيالي وساعاتُه أفضلُ السّاعات“.

تعطيل حركة الشياطين في شهر رمضان، يمثل احد الأدوات الأساسية في وضع المسلم في الطريق السليم، خصوصا وان عملية الصيام تتطلب شحنات روحية، للتغلب، على الضعف البشري تجاه المغريات الحياتية، مما يدفع الصائم على الاقبال بكل جوارحه على ما يرضي الله سبحانه وتعالي، من اجل رفع مستوى الشحنات الروحية في النفوس، وبالتالي فان المعول على المسلم في الاستفادة من هذه الفسحة الزمنية، لتهذيب النفس باعتبارها احدى الثمار الكبيرة، لشهر رمضان المبارك على الصائمين، "هو شهرٌ الشّياطينُ فيه مغلولةٌ محبوسَة، هو شهرٌ يزيدُ الله فيه الأرزاقَ والآجالَ، ويَكتب فيه وَفْدَ بيتِهِ، وهو شهرٌ يقبل أهل الأيمان بالمغفرة والرّضوان والرَّوْح والرَّيحان ومرضاتِ الملِك الديَّان".

كاتب صحفي