آخر تحديث: 13 / 7 / 2020م - 7:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «5»

محمد أحمد التاروتي *

استطاع شهر رمضان المبارك فرض هويته على الامة الإسلامية، بحيث بات الصيام علامة خاصة للاسلام مقابل الأمم الأخرى، خصوصا وان الامتناع عن الاكل والشرب منذ ساعات الفجر وحتى المغرب، ممارسة تختص بالمسلمين في مختلف انحاء العالم، مما يجعل الشهر الفضيل محط اهتمام الجميع، بحيث تبدأ وسائل الاعلام تسليط الضوء على قدرة الإسلام، على حث المسلم على الالتزام بالصيام بصورة طوعية، بالرغم من طول ساعات النهار في الصيف، واحتمالية زيادة العطش اثناء العمل.

الصيام يوحد كافة المسلمين سواء في البلدان الإسلامية، او في بلدان المهجر على الالتزام بالفريضة، مما يدفع لمحاولة دراسة هذه الظاهرة الفردية، لاسيما وان الاختلافات الكثيرة لدى المسلمين، تتلاشى بمجرد رؤية هلال رمضان المبارك، بحيث تتحرك في النفوس القيم الأخلاقية الكثيرة، وتبرز الكثير من الممارسات الاجتماعية، منها التكافل الاجتماعي، وزيادة جرعة التبرعات على الشرائح الفقيرة، وبالتالي فان شهر ”الإسلام“ اوجد ظاهرة خاصة، وعلامة مميزة للمسلم سواء في البلدان الإسلامية، او الدول غير الإسلامية، ”أيُّها النّاس، إنَّ هذا الشّهر شهرٌ فضَّله الله على سائر الشُّهور كَفَضْلِنا أهلَ البيت على سائر النّاس“.

الدراسات الكثيرة على سلوك المسلم تجاه شهر الصيام، تمثل احدى الملامح الكثيرة للتأثير الكبير، لشهر المغفرة على مراكز الدراسات، في مختلف الدول العالمية، فهذه الظاهر يصعب تفسيرها من المنظور المادي، ومحاولة قراءتها بالتفكير الغربي، خصوصا وان الصيام يمثل حالة ترابط بين العبد والخالق، وبالتالي فان النظرة الغربية لسلوك المسلم تبقى غير قادرة على الوصول الى الحقيقة الكاملة، نظرا للتأثيرات المادية الطاغية على السلوك الثقافي لدى المراكز الغربية، مما يحول دون القدرة على سبر اغوار علاقة المسلم مع شهر الصيام.

يصاب البعض بحالة من التعجب والدهشة، على مدى الدوافع الذاتية للمسلم للامتناع، عن الاكل والشرب لساعات طويلة، حيث تصل في بعض البلدان الأوروبية لاكثر من عشرين ساعة، مما يجعل الصيام سفير للاسلام بدون ضجيج، او فوضى في نفوس غير المسلمين، حيث استطاع شهر رمضان في التأثير على الاخرين، مما شكل حافزا للاطلاع على القدرة الاستثنائية للاسلام، على تحريك المسلمين بإيقاف الاكل والشرب طوال شهر كامل.

الهوية الفردية التي فرضها شهر رمضان على المسلم، في مختلف انحاء العالم، ساهمت بث التعاليم الإسلامية في نفوس غير المسلمين، انطلاقا من قاعدة ”الدين المعاملة“، و”ادْعُ إِلَى? سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ? وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ? وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ“، وبالتالي فان شهر رمضان فرض واقعه الاستثنائي على العالم باسره، فهذه الفريضة باتت تحظى باهتمام كبير، ومحاولة دراستها من جميع النواحي النفسية، والدينية، والاجتماعية، والاقتصادية، خصوصا في ظل الأثر الكبير الذي تنشره على الأجواء العامة في البلدان الإسلامية، وكذلك في الدول غير الإسلامية، فالتواجد الإسلامي في تلك الدول شكل محركا، لدراسة سلوك المسلمين خلال شهر رمضان المبارك.

الصيام بما يحمله من مضامين كثيرة، سيبقى محط اهتمام العالم باسره، فهو قادر على لفت الانتباه بطريقة غير اعتيادية، مما يؤهله لاحتلال مواقع متقدمة، في اثارة الكثير من علامات الاستفهام، من المنظور غير الإسلامي، حيث ستبقى تلك التساؤلات قائمة، نظرا لعدم القدرة على الحصول على الإجابات الشافية، لاصرار المسلم على الالتزام بساعات الصيام، بشكل طوعي دون اجبار او فرض من السلطات السياسية، مما يعكس الايمان الكامل بالتعاليم الإسلامية، باعتبارها الوسيلة للارتباط مع الله، فالصيام لم يعد مقصورا على الأجواء العالم في البلدان الإسلامية، حيث أضحت مظاهره واضحة في البلدان غير الإسلامية، فالمسلم يبدأ مسيرة الصيام في الدول الغربية وغيرها من الدول غير الإسلامية، بالرغم من وجود المغريات على اشكالها، وبالتالي فان سلوك الصيام يمثل ظاهرة غير اعتيادية بكل المقاييس.

بكلمة فان شهر رمضان سيبقى العلامة البارزة، في الممارسات العبادية للمسلم، والتي تتكرر بشكل سنوي، نظرا لصعوبة تفسير القدرة العجيبة على الإمساك، عن الشرب والاكل لساعات طويلة، والاستمرار في أداء العمل بشكل اعتيادي.، "شَهْرُ رَمَضَانَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ مِنَ الشُّهُورِ، لَهُ حَقٌّ وَ حُرْمَةٌ، أَكْثِرْ مِنَ الصَّلَاةِ مَا اسْتَطَعْتَ".

كاتب صحفي