آخر تحديث: 13 / 7 / 2020م - 8:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «6»

محمد أحمد التاروتي *

تختلف عبادة الصيام عن غيرها من العبادات الأخرى، بكونها من الفرائض غير المرئية كغيرها من العبادات، مما يجعلها علاقة خفية مع الخالق، فالصيام ليس من الممارسات الخارجية التي تظهر للغير، فهذه العلاقة تبقى محصورة بين المسلم وخالقه، مما يعزز العلاقة القوية مع الباري، خصوصا وان إمكانية الإفطار بعيدا عن الاعين واردة، بيد ان الصائم يتحاشى الاقدام على الاكل والشرب، فضلا عن الحفاظ على جوارحه تفاديا لخدش صيامه، بسلوكيات تتناقض مع المضامين السامية، لفريضة الصيام.

الإخلاص الهدف السامي لكل صائم منذ اليوم الأول، حيث يحرص على استكمال جميع متطلبات الصيام، من خلال وضع جميع التصرفات في ميزان الصيام، فاذا كانت سواء من خلال حفظ اللسان من الغيبة، او غض البصر عن المحرمات، وغيرها من الممارسات، التي تؤثر على الصوم بشكل او باخر، وبالتالي فان الصيام يعمق ويوثق العلاقة الخاصة مع الخالق، من خلال وضع الرقابة الذاتية، على الممارسات الخارجية بشكل مستمر.

بناء الإخلاص يعتمد على السلوك الخاص للصائم، خصوصا وان الشخص يمتلك كامل الحرية، في خداع الناس بعدم الاكل في العلن، بيد انه يتوقف كثيرا بمجرد التفكير في الإفطار عمدا بنهار رمضان، خصوصا وان الخشية والخوف من العقاب الاخروي، يردعه عن الاقدام على انتهاك حرمة الشهر الفضيل، وبالتالي فان وجود النفس اللوامة يشكل محركا رئيسيا، في زيادة جرعة الإخلاص في النفس، لدى الصائم طيلة ساعات النهار.

الصوم مدرسة عملية لقدرة المسلم على الإخلاص، بعيدا ممارسات الرياء، لاسيما وان ”العقل الجمعي“ الذي تلعبه فريضة الصيام في المجتمعات الإسلامية، ليست محركا دائما في وضع الضوابط الصارمة، لتهذيب السلوك الخارجي، مما يستدعي تحفيز الذات على التحرك بشكل مستقل، لتوطيد العلاقة مع الخالق، بمعنى اخر، فان السلوك الاجتماعي الضاغط باتجاه ”تجريم“ الإفطار في نهار رمضان، يمثل رادعا لضبط الممارسات الخارجية للافراد، ولكنه ليس قادرا على مراقبة الافراد في الخفاء، وبالتالي فان عبادة الصوم تدفع المسلم نحو المراقبة الذاتية والعمل على تعظيم الإخلاص في الذات عبر الالتزام الكامل بمقتضيات الصيام، والابتعاد كليا عن مسببات خدش الصيام، او التفكير في تناول الطعام بالرغم من وجوده امامه.

تقوية العلاقة مع الخالق تتمثل في الكثير من العبادات، فهناك الكثير من الاعمال الخيرية التي تقرب المرء من ربه، فالبعض منها مرتبط بالعلاقة المباشرة مع الله، مثل الصلاة، والبعض الاخر ذات طبيعة تكافلية مثل الصدقات، واعمال البر المختلفة، والثالث ذات طبيعة تعاون من التطوع في اعمال الخير، بيد ان فريضة الصوم ذات طبيعة مختلفة تماما، فهي تعتمد على تطويع الذات بالامتناع عن الطعام، مع القدرة على تناوله، وكذلك تسهم هذه الفريضة في تقوية الإرادة، والسيطرة على النفس، ومخالفتها، من خلال الابتعاد عن الأشياء المباحة المعتادة طيلة اشهر السنة، وبالتالي فان الصيام يمثل نقطة تحول أساسية في طبيعة العلاقة مع الخالق، بحيث تحدث حالة من الانسجام الداخلي مع الخالق في جميع الحركات الاعمال، مما يعني ان شهر المغفرة بامكانه رسم خارطة طريق للمسلم لمواجهة مغريات الرياء، لاسيما وان بعض الاعمال الخارجية تغري البعض لمحاولة إخراجها او نشرها، سواء لاهداف نبيلة مثل نشر الخير في المجتع، وتشجيعه على انتهاج هذه الطريقة، او لاسباب شخصية، لا تمت لعمل الخير بصلة.

بكلمة فان الصيام دورة سنوية للمسلم على تزكية الذات، من خلال الانسجام التام بين الايمان الداخلي مع السلوك على الصعيد الخارجي، خصوصا وان هذه الفريضة تبقى ذات علاقة خاصة بعيدة عن الاعين، مما يضع الصائم امام اختبار وتحدي في القدرة على الصمود، في الالتزام بهذه العلاقة الخفية مع الخالق.

"أيُّها الصَّائم تدبَّر أمرَك، فإنَّك في شهرِك هذا ضيفُ ربِّك، أُنظر كيف تكون في ليلِك ونهارِك، وكيف تحفظُ جوارحَك عن معاصي ربِّك، أُنظر أنْ لا تكون باللَّيل نائماً وبالنَّهارِ غافلاً فينقضيَ شهرُكَ وقد بَقِيَ عليك وِزْرُكَ، فتكونَ عند استيفاء الصَّائمين أجورَهم من الخاسرين، وعند فَوْزِهم بكرامة مليكِهم من المحرومين، وعند سعادتِهم بمجاورة ربِّهم من المَطرودين".

كاتب صحفي