آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 5:16 م

شهر المغفرة «7»

محمد أحمد التاروتي *

مراقبة الذات في السر والعلن، ليست مقصورة على شهر رمضان، فالمسلم مطالب بوضع اعماله امام ميزان الخير والشر، بهدف وضع مسار واضح في المسيرة الحياتية، لاسيما وان اطلاق العنان للنفس دون كبح جماحها، يقود الى الهاوية، مما يجعل المسلم فريسة سهلة للاهواء والأغراض الشيطانية المتعددة، الامر الذي يستدعي التحرك وفق ضوابط صارمة، وعدم الانصياع خلف الغرائز على اختلافها، ”ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل خيرا استزاد الله منه وحمد الله عليه، وإن عمل شيئا شرا استغفر الله وتاب إليه“.

الإسلام وضع ضوابط محددة للاختيار، وعدم الانجرار وراء المهالك، بيد انه ترك الخيار للإنسان في السير دون اجبار، او ممارسات قهرية، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى وبالتالي فان المرء يحدد خياراته الدنيوية، من خلال وضع المسار المناسب، فتارة يكون وفقا لمتقضيات الأوامر الدينية، والالتزام بقواعد الشريعة الإسلامية، وتارة يكون عبر الانخراط في طريق الاهواء، والملذات الدنيوية على اختلافها، وبالتالي فان الانسان يتحمل تبعات خياراته في الحياة الدنيا.

وجود بذرة الخشية من الخالق في النفس، يمثل الشرارة الأساسية وراء التوقف مليا، قبل الاقدام على بعض الاعمال الشيطانية، خصوصا وان الخوف من العقاب الاخروي، يدفع الانسان لمحاولة تصحيح المسار الخاطئ، سواء عبر الابتعاد عن مواطن الشر ”من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن“ او عبر وضع الفرامل القادرة على التوقف، وعدم مواصلة طريق الشر، خصوصا وان المرء يدرك خطورة الاستمرار في جادة الاهواء والمغريات، الامرالذي يتمثل في محاولة العودة الى الطريق الصائب، والعمل على إعادة صياغة الحياة بشكل كامل، بما ينسجم مع الرغبة في رضون الخالق بشكل أساسي.

الصيام بما يحمله من قيم دينية ومعاني أخلاقية كثيرة، فانه يعزز حالة مراقبة الذات على الدوام، فالصائم يسعى لاجتناب كافة الاعمال المتناقضة، مع اهداف شهر المغفرة والتوبة، وبالتالي فان المسلم يعمل جاهدا على الوصول الى المعاني السامية، عبر الابتعاد عن الممارسات الخادشة بالقيم الأخلاقية، الامر الذي يدفعه لمراقبة الذات بصورة دائمة، من اجل تحقيق الغايات المثلى لفريضة الصيام على الذات البشرية أولا، واكتساب الدروس الكثيرة المستفادة من الإصرار على الامتناع عن الاكل والشرب لساعات محددة يوميا ثانيا.

عملية مراقبة الذات تختلف باختلاف الرغبة في التغيير، فهناك بعض الافراد يكتفون ببعض الممارسات المحددة، في عملية ضبط النفس عن ارتكاب بعض المحرمات، والابتعاد عن مختلف اشكال الممارسات الخاطئة، فيما البعض الاخر يعمل على انتهاج اليات قادرة على اكتساب الخلق، في الممارسات اليومية طوال الحياة، وبالتالي فان مستوى الرقابة مرتبط بمستوى الفهم في عملية مراقبة الذات، فالبعض تكون نظرته سطحية وغير قادرة على اكتشاف الاسرار الكبيرة لعملية محاسبة الذات، مما يجعل مستوى الفائدة يختلف عن الفئات ذات النظرة العميقة في عملية مراقبة الذات، بحيث تترجم على شكل سلوك خارجي غير مألوف، الامر الذي يفسر سيطرة بعض الفئات الاجتماعية على القلوب بشكل كامل، نظرا لامتلاك مزايا مغايرة تماما عن مختلف الفئات الاجتماعية، وبالتالي فان عملية محاسبة الذات ليست على مستوى واحد على الاطلاق.

الرغبة في الحصول على الثمار الكثيرة من أيام شهر رمضان المبارك، تمثل المحرك الأساس وراء الانطلاق في الرحلة الايمانية المستمرة لمدة 30 يوما، فالعملية ليست مرهونة بساعات محددة، وانما بمستوى ادراك غايات الصيام، ومعرفة مفاتيح تغيير الذات من الداخل، بهدف ترجمتها على السلوك الخارجي، سواء على الصعيد الذاتي او الاجتماعي، من اجل الحصول على رضوان الخالق بصورة مستمرة.

أيُّها الصَّائم تدبَّر أمرَك، فإنَّك في شهرِك هذا ضيفُ ربِّك، أُنظر كيف تكون في ليلِك ونهارِك، وكيف تحفظُ جوارحَك عن معاصي ربِّك، أُنظر أنْ لا تكون باللَّيل نائماً وبالنَّهارِ غافلاً فينقضيَ شهرُكَ وقد بَقِيَ عليك وِزْرُكَ، فتكونَ عند استيفاء الصَّائمين أجورَهم من الخاسرين، وعند فَوْزِهم بكرامة مليكِهم من المحرومين، وعند سعادتِهم بمجاورة ربِّهم من المَطرودين".

كاتب صحفي