آخر تحديث: 21 / 9 / 2020م - 1:01 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «9»

محمد أحمد التاروتي *

يمثل شهر رمضان فرصة كبرى لقطع العلاقة مع الشياطين، سواء شياطين الجن او الانس، فالصيام يمنع من الاقدام على الاعمال الشهوانية، او ارتكاب الممارسات العدوانية، مما يمهد الطريق امام تطهير النفس، والعمل على إزالة الترسبات العالقة، في القلوب جراء الاثام، والسيئات المرتكبة طوال الحياة، وبالتالي فان الصيام يضع المرء امام محطة أساسية، للانتقال من بحر الاثام الى سفينة الجناة، عبر الكثير من الاعمال الصالحة، التي تقودها صاحبها الى بر الامام، والانطلاق نحو النور والخروج من الظلمة الشيطانية.

عملية قطع الصلة مع الشيطان ليست مهمة سهلة، خصوصا وان ”إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم“، مما يجعل المعركة مستمرة وشرسة للغاية، نظرا لتباعد الأهداف بين الانسان الطامح لرضوان الله، والوسواس الشيطانية، التي تدخل صاحبها في المهالك، فضلا عن خطورة الوسواس، حيث تضع الكثير من المغريات في طريق الانسان، بهدف تعطيله حركته الروحانية، وسلب ارادته القوية، لاسيما وان الاستسلام لرغبات الشيطان، يمثل البداية الحقيقية للخروج من المعركة مهزوم، وغير قادر على المواجهة، والصمود لتحقيق الغاية الأساسية من الحياة ”أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ“.

وجود الإرادة الصلبة السلاح الأكثر قدرة على قطع حبائل الشيطان، والتحرك بشكل ثابت في الحياة، خصوصا وان المغريات الدنيوية احدى الأسلحة الفتاكة، التي يستخدمها الشيطان، في حرف الانسان عن مسيرة الاخروية، وبالتالي فان الإرادة الصادقة قادرة على احداث تحولات كبرى، في المسيرة الإنسانية لتحقيق الأهداف النبيلة، بمعنى اخر، فان تحرك المسلم يتطلب وضع خارطة طريق منذ البداية، ومحاولة الالتزام بخطوطها العريضة والتفصيلية، فالانحراف او التراخي في تنفيذ بنود خارطة الطريق، يشكل النقطة الأساسية للانحراف عن الجادة الصحيحة.

هناك الكثير من البرامج العبادية القادرة، على تهيئة القلوب للارتباط مع الخالق، بيد ان المشكلة تكمن في ”الفشل“ بعدم القدرة على ترجمة تلك البرامج على ارض الواقع، سواء نتيجة الغفلة الإنسانية، او لاسباب ذات علاقة بطبيعة الانسان نفسه، الامر الذي يحرم المرء من توطيد العلاقة مع الخالق، والدخول طواعية في علاقة ”محرمة“ مع الشيطان، وبالتالي فان العملية مرهونة بمدى الاستعداد النفسي، للدخول في ساحة الفيض الرباني، فاذا كانت ضعيفة او مهزوزة فانها ستكون فريسة سهلة للتمسك بالاهواء الشيطانية، مما يشكل حائلا كبيرا في التلذذ بالعبادات على اختلافها، مما يحرفه عن جادة الجنان والطريق الى الله.

ضعف الإرادة في القيام بالعبادات، يتطلب علاجات عاجلة، وأخرى مستمرة على الدوام، لاحداث اثرا نفسي وجسدي كبير، وبالتالي فان المعالجات العاجلة تكون من خلال المداومة على ذكر الموت، والحرص على الابتعاد عن مختلف السيئات، التي تغضب الله سبحانه وتعالى، وكذلك فان الدعاء يمثل وسيلة لربط الانسان بخالقه على الدوام ”الدعاء سلاح المؤمن“ ”وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ“، فيما العلاج السنوي يتمثل في المحطة المتجددة، وهي الصيام الذي يعيد ترتيب العلاقة مع الخالق، فالصوم بامكانه خلق الكثير من الاثار النفسية، نظرا لطبيعة هذه الفريضة على الذات، فالصائم يرى نفسه قريبا للغاية من طاعة الله، مما يعطيه القوة والعزيمة على مواصل المشوار، في قطع العلاقة مع الشيطان، ”يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء“، فالعبرة ليست في الامتناع عن الاكل والشرب، وانما في الاثار النفسية والراحة الكبيرة، المتولدة من استكمال عبادة الصوم، خصوصا وان هذه الفريضة قادرة على وضع الانسان، في مواجهة مباشرة مع الشيطان، من خلال مقاومة الاغراءات المختلفة، للاقدام على تناول الطعام، مع القدرة على القيام بهذا العمل، نظرا للخوف الكبير من انتهاك شهر الصيام من جانب، والرغبة في الالتزام بالطاعة الخالق من جانب اخر.

"أيُّها النّاس، إنَّ هذا الشّهر شهرٌ فضَّله الله على سائر الشُّهور كَفَضْلِنا أهلَ البيت على سائر النّاس. وهو شهرٌ يفتَح فيه أبواب السَّماء وأبواب الرّحمة ويُغلق فيه أبواب النِّيران".
"وهو شهرٌ يُسمَع فيه النِّداء ويُستجاب فيه الدُّعاء ويُرحَم فيه البكاء"

كاتب صحفي