آخر تحديث: 10 / 7 / 2020م - 2:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «10»

محمد أحمد التاروتي *

يكرس شهر رمضان سمة التكافل الاجتماعي في نفوس الصائمين، حيث تتجلى هذه الممارسة في الكثير بدعم برامج الجمعيات الخيرية، وكذلك عبر مساعدة العوائل المتعففة والاسر المحتاجة، حيث برزت قيمة التكافل الاجتماعي خلال العام الجاري، خصوصا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، التي فرضتها جائحة كورونا، فقد أجبرت كورونا الكثير على الجلوس في المنازل واغلاق المحال، جراء الإجراءات الاحترازية المتخذة لمواجهة انتشار فيروس كورونا.

التكامل الاجتماعي يترجم على الكثير من الاعمال، ”لا تستحي من إعطاء الكثير فان الحرمان اقل منه“ وبالتالي فان محاولة الانخراط في البرامج العديدة، التي تطلقها الجمعيات الخيرية يعكس بذرة الخير، وكذلك يكشف الإحساس الكبير بمعاناة بعض الاسر المتضررة من تداعيات كورونا، بخلاف المصاعب الشديدة التي تواجه الاسر المحتاجة على مدار العام، فالصائم يتحسس معاناة الاخرين من خلال الالتزام بفرض الصيام، مما يدفعه لمحاولة التخفيف من اثر الجوع والعطش، بعد ساعات طويلة من الصيام.

وجود قنوات اجتماعية عنصر أساسي، في وضع القوالب الصحيحة، لتنظيم عملية التكافل الاجتماعي، خصوصا وان العشوائية والفوضى او اطلاق البرامج الاجتماعية خارج الاطار القانوني، يحمل معه بعض المخاطر على البيية الاجتماعية، خصوصا وان هناك احتمالات كبيرة لاستغلال بذرة الخير، بواسطة توظيف المساعدات في بطرق مضادة للمجتمع، الامر الذي يتطلب الشفافية التامة لجميع المساعدات الهادفة، لتعزيز مبدأ التكافل الاجتماعي، لاسيما وان القنوات الرسمية اكثر دراية وقدرة على الوصول الى الاسر المتعففة، ومحاولة تحديد الأولويات عوضا من العشوائية او الفوضوية، في استخدام اليات التكافل الاجتماعي.

استعداد الصائم على البذل يشكل احد العوامل الأساسية، وراء الانخراط الكبير في برامج التكافل الاجتماعي، خصوصا وان المسلم يتحرك لنيل الرضوان من الله، والعمل مساعدة الفقراء لتجاوز الفاقة والعوز، لاسيما وان المائدة الرمضانية المفروشة قادرة على استيعاب الجميع، الامر الذي يتجلى في وصول الكثير من السلال الرمضانية الى الاسر المحتاجة، نظرا للاقبال الكبيرعلى تخصيص جزء من الأموال، للمساهمة في البرامج، التي تطلقها الجمعيات الخيرية بشكل سنوي.

الانعكاسات الكبيرة لفريضة الصيام على المسلم، قادرة على اختراق الحجب الكثيفة، لاخراج بذرة الخير بشكل واضح، فالصائم يعمل طوال الشهر الكريم على تحريك جانب الخير، وطمس جانب الشر، فهذا التوجه بشكل احد الثمار الكبيرة لفريضة الصيام على السلوك الخارجي، بمعنى اخر، فان وجود الرغبة على عمل الخير يحدث اثرا كبيرا في النفس البشرية، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه، فاليقين الراسخ لدى المسلم بكتابة جميع اعماله في سجله اليومي، يدفعه لتعظيم اعماله لرفع الرصيد الاخروي، وتقليل السيئات بشكل عام، ولاسيما خلال شهر رمضان المبارك، حيث تظهر على الصائم الكثير من السلوكيات الصالحة، المنسجمة مع اهداف وغايات فريضة الصيام.

التكافل الاجتماعي يعكس جانبا من التماسك الداخلي للمجتمع، فالبيئات الاجتماعية المتماسكة تحرص على مساعدة بعضها البعض، بطريقة مباشرة او غير مباشرة، خصوصا وان الاهتمام بالذات وعدم الإحساس بمعاناة الاخرين، يخلق مشاكل اجتماعية عديدة في البيئة الواحد، فالبعض يتخذ مبدأ ”انا ومن بعدي الطوفان“ مما يدفعه لاغلاق الباب امام جميع البرامج الهادفة لرص الصف الواحد، فيما البعض الاخر يتخذ منهاجا ثابتا في التعاطي مع المجتمع، من خلال ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ و”مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى“، مما ينعكس على مواصلة البحث عن الاسر المحتاجة، ومحاولة الوصول اليها، بهدف تقديم المساعدة والتخفيف معاناتها، في الحصول على لقمة العيش.

يبقى الصوم احد المحركات لاطلاق برامج التكافل في الوسط الاجتماعي، لاسيما وان الصائم يكون مدفوعا بقوة للمساهمة، في تقديم المساعدة بقدر المستطاع، نظرا لادراكه بان الاعمال ستكون رصيدا في الاخرة، وبالتالي ترجمة احد مقاصد فريضة الصيام، على البيئة الاجتماعية الواحدة.

"أيُّها النّاس، إنَّ هذا الشّهر شهرٌ فضَّله الله على سائر الشُّهور كَفَضْلِنا أهلَ البيت على سائر النّاس. وهو شهرٌ يفتَح فيه أبواب السَّماء وأبواب الرّحمة ويُغلق فيه أبواب النِّيران".
"وهو شهرٌ يُسمَع فيه النِّداء ويُستجاب فيه الدُّعاء ويُرحَم فيه البكاء"

كاتب صحفي