آخر تحديث: 21 / 9 / 2020م - 1:01 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «11»

محمد أحمد التاروتي *

ادراك الصائم بأداء فريضة عظيمة في شهر التوبة، يدفعه باستمرار لاستخدام سلاح الدعاء، في التقرب الى الله، ”الدعاء سلاح المؤمن وعمود الدين ونور السّموات والأرض“، فهذا السلاح لا يقل أهمية عن جميع الأسلحة المتاحة امام الانسان، لتوثيق العلاقة مع الخالق في جميع الأحوال الظروف، فالدعاء ليس مقصورا على الشدة، ولكنه متاح في جميع الأحوال، سواء في الشدة والرخاء، خصوصا وان أبواب السماء مفتوحة على مصراعيها بالداعين في الليل والنهار، ”وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي“.

الدعاء بما يمثل من علاقة مباشرة مع الخالق، يحدث اثرا كبيرا في النفس، ”أفضل العبادة الدعاء“، خصوصا وان الداعي يتحرك وفقا ليقين ثابت في الإجابة، مما يدفعه للاجتهاد والإخلاص في الدعاء، تعرضا للإجابة من الله، فالابواب المفتوحة على الدوام محفز أساسي للتواصل المباشر مع الله، وبالتالي فان الدعاء يساعد المرء على الخروج من الازمات النفسية والاجتماعية والمادية، ”عليك بالدعاء فإنّ فيه شفاء من كلّ داء“.

المشاكل ليست دافعا أساسيا للتوجه للخالق، فالمرء مطالب لاستخدام سلاح الدعاء، نظرا لاثره الكبير على تصويب الكثير من الاعتقادات، والعديد من الإشكالات المختلفة، فالعملية ليست مرتبطة بالضغوط النفسية، التي يكابدها المرء في الحياة، بقدر ما تعكس حاجة العبد الدائم للخالق في جميع أحواله، ومختلف حركاته الدنيوية، وبالتالي فان الدعاء وسيلة أساسية في العلاقة الدائمة مع الله، بيد ان الاختلاف يكمن في الإخلاص الدائم، واليقين الراسخ بالاجابة، مما يحفز على المداومة على استخدام هذه الوسيلة المتاحة على الدوام، خصوصا وان الدعاء يعتبر من احب الاعمال الى الله، ”أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ في الأرض الدعاء“.

الدعاء ليس الفاظ تتردد على اللسان، بقدر ما تكشف حالة من الترابط الكبير مع الله، فالاحساس بالضعف والرغبة تجاوز المصاعب الحياتية، وكذلك الفوز بالجنان والخوف من النيران، تمثل عناصر أساسية في التوجه الى الخالق بالدعاء، وبالتالي فان محاولة حصر الدعاء في مجموعة مفردات تطلقها الالسن، تحمل الكثير من الاحجاف، والقصور الكبير، في الوصول الى المعاني الفلسفية والدينية، المخزونة في الادعية، فهي تختزل الكثير من المعاني على المستوى الأخلاقي والعقائدي وفضلا عن قدرة الادعية على خلق حالة فريدة في المخاطبة مع الخالق، فهناك اداب خاصة في التخاطب مع الله، حيث تتضح تلك المعاني والآداب، في الادعية الكثيرة الواردة عن اهل البيت، فهذه النوعية من الادعية تضع قواعد أخلاقية في اليات التخاطب مع الله، ”الدعاء مخّ العبادة ولا يهلك مع الدعاء أحد“.

الرغبة في رحمة الله والعمل على التقرب من رضوان الخالق، يستدعي الالتزام بالضوابط الدينية والحرص على الابتعاد عن السيئات، فالمرء معرض بشكل دائم للسقوط في مستنقع الاعمال الشريرة، نتيجة الاستجابة للاغراءات الشيطانية، مما يدفعه لمحاولة العودة لساحة رحمة الله، والتوبة عن تلك الاعمال السيئة، الامر الذي يفرض عليه انتهاج الطريق الأقصر، لغفران الذنوب الكبيرة منها والصغيرة، ”الدعاء مفتاح الرّحمة ومصباح الظلمة“، وبالتالي فان ساحة رحمة الله المفتوحة تشكل احد العناصر الأساسية، وراء استخدام سلاح الدعاء، لاظهار التوبة الخالصة، وعدم الرجوع الى الذنوب ”قُلْ ما يَعْبَؤُواْ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ“.

شهر رمضان من المواسم الخصبة، لاستخدام الادعية، في مختلف الأوقات، نظرا لوجود الكثير من الادعية الواردة سواء في النهار او الليل، مما يرفع من أهمية سلاح ”الدعاء“ لدى الصائم، حيث تبدأ تلك الادعية منذ اليوم الأول، وحتى نهاية الشهر الفضيل، اذ توجد ادعية منصوص لكل يوم، فضلا عن وجود ادعية مستحبة في الليالي طوال الشهر الكريم، بالإضافة الى الادعية الخاصة بالسحر، وغيرها من الادعية المختلفة، الامر الذي يعطي الصائم حصة وافرة من الغذاء الروحي، للاستفادة من شهر رمضان المبارك، ”الدعاء كهف الإجابة كما أنّ السحاب كهف المطر“، ”لا يقبل الله دعاء قلب لاه“.

"أيُّها النّاس، إنَّ هذا الشّهر شهرٌ فضَّله الله على سائر الشُّهور كَفَضْلِنا أهلَ البيت على سائر النّاس. وهو شهرٌ يفتَح فيه أبواب السَّماء وأبواب الرّحمة ويُغلق فيه أبواب النِّيران".
"وهو شهرٌ يُسمَع فيه النِّداء ويُستجاب فيه الدُّعاء ويُرحَم فيه البكاء"

كاتب صحفي