آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 9:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «13»

محمد أحمد التاروتي *

الالتزام بقواعد الضيافة يعكس مستوى الثقافة، ويبرز الجانب الإيجابي والمضيء لدى الفرد، مما يرفع مقامه في اعين الاخرين، ويزيد من مكانته لدى الصغير والكبير، خصوصا وان الالتزام باللياقة الأدبية مع أصحاب الضيافة، يدلل على الالمام بالاداب العامة، والعمل على الحفاظ عليها، لاسيما وان تجاوزها ينم عن انعدام كبير في القدرة على توقير الاخرين، الامر الذي يسبب الكثير من المشاكل، ويكسر القواعد الأخلاقية الحاكمة، في العلاقة بين الضيف والمضيف.

احترام الفرد لذاته، ومحاولة الظهور بالشكل اللائق، تمثل عناصر أساسية في الالتزام بالتعليمات، او ضبط التصرفات اثناء الضيافة، خصوصا وان الخروج عن اللياقة والتصرفات الهوجاء، غير مقبولة لدى الحكماء على الاطلاق، مما يفرض على الضيف وضع تصرفات، في ميزان القبول والرفض من الأطراف الأخرى، لاسيما ان كسر الاحترام المتبادل يولد حالة من ردات الفعل المماثلة، مما يخرج اداب الضيافة من سياقها العام، نظرا لوجود سلوكيات غير مألوفة لدى المجتمع، في طريقة التعاطي بين الضيف والمضيف بشكل عام.

عملية الالتزام بقواعد الضيافة، لا تستلزم الكثير من الدروس الأخلاقية، بقدر ما تتطلب الإحساس والتقدير، بضرورة اظهار مستوى لائق من الاحترام المطلوب، فاداب الضيافة ليست بحاجة الى اكاديميات متخصصة، لإظهارها او تكريسها في السلوك الإنساني، خصوصا وان هذه القواعد درجت عليها الثقافة الإنسانية في مختلف البيئات البشرية، وبالتالي فان المرء ليس بحاجة الى الانخراط في الاكاديميات، لاكتساب تلك الأداب المتعارفة، لاسيما وان القواعد المكتسبة في الاليات المتبعة، في الالتزام بقواعد الضيافة، قادرة على اظهار الوجه الحسن، واكتشاف مستوى الاخلاق العالية، فيما الرعونة والخروج عن اللياقة في المجالس، تعكس صورة سيئة للغاية، الامر الذي يستدعي وضع جميع التصرفات، في ميزان القبول والرفض على الدوام، بهدف التحرك وفق تلك الاليات، والحرص على امتلاك القلوب بحسن التصرف، عوضا من اللجوء الى السلوك الخاطئ، لما يترتب عليه من خلافات، ونزاعات في البيئة الاجتماعية.

رمضان شهر ضيافة الله لعباده على الدوام، فالشهر الكريم ليس كغيره من الشهور، حيث يمتاز عن بقية السنة كونه من شهر الله، مما يعني ان الصائم يكون ضيفا دائما على مائدة الرحمان طوال 30 يوما، الامر الذي يستدعي ضبط التصرفات، وعدم الخروج عن اللياقة العامة، في اظهار السلوك المنسجم مع اهداف، ومضامين شهر الصيام، وبالتالي فان الالتزام بالخلق العالية، وعدم الخروج عن اداب الضيافة، يمثل جزء أساسيا من متطلبات الصيام، سواء خلال ساعات النهار او أوقات المساء.

الجلوس على المائدة الرحمانية الرمضانية، يفرض انتهاج سلوكيات محددة، خصوصا وان الصائم يكون في ضيافة الخالق لساعات طويلة، مما يستدعي توطين النفس على الالتزام، بالقواعد الأخلاقية المنسجمة، مع دعوة ضيافة الله لعباده، فالبعض يتعامل مع المائدة الرمضانية بطريقة غير واعية، ولا تكون تنسجم مع الدعوة السنوية، مما يشكل خروجا واضحا عن قواعد واداب الضيافة، لاسيما وان البعض يحرص على اظهار الاحترام في مجالس الضيافة لدى بني البشر، ولكنه يتجاهل اتخاذ ذات التصرفات على المائدة الرمضانية العامرة، بمختلف أنواع الرحمة والمغفرة، مما يحرمه من الفوز بالرحمة الواسعة، لهذه المائدة المحددة، بفترة لا تتجاوز شهر واحد.

الخشية من الخروج جائعا، من المائدة الرمضانية الرحمانية، تمثل احد المحفزات الأساسية للحرص على الالتزام باداب ضيافة شهر الصيام، حيث يتحرك منذ اليوم الأول، لمحاولة تزويد النفس بالزاد الروحاني، عبر زيادة جرعة العبادات، والتقرب الى الله بالاعمال الصالحة، خصوصا وان الخوف من الحرمان يحفز على الالتزام، باداب المائدة الرمضانية المفروشة، لجميع الصائمين منذ اليوم الأول، ”فان الشقي من حرم غفران الله“.

وجود الاستعداد النفسي للتزود بالطاقة الروحي، عنصر أساسي لتكرس مبدأ الالتزام بقواعد الضيافة، على المائدة الرمضانية العامرة، وبالتالي فان ”المرء خصيم نفسه“ بخصوص جميع تصرفاته، تجاه شهر المغفرة والرضوان.

"أيُّها الصَّائم تدبَّر أمرَك، فإنَّك في شهرِك هذا ضيفُ ربِّك، أُنظر كيف تكون في ليلِك ونهارِك، وكيف تحفظُ جوارحَك عن معاصي ربِّك"

كاتب صحفي