آخر تحديث: 13 / 7 / 2020م - 8:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «17»

محمد أحمد التاروتي *

السيطرة على الجوارح عملية ليست سهلة، ولكنها في الوقت نفسه ليست مستحيلة، فهذه العملية تدخل ضمن المعركة المستمرة مع الذات، ومقاومة الاغراءات الدنيوية، ”رجعنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر“، ”أعدى عدّوك نفسك التي بين جنبيك“، فالمرء بامكانه الوقوف امام العدو الخارجي، لمواصلة القتال لساعات، وأحيانا لعدة أيام، بيد انه يحتاج الى وقود دائم للانتصار على معركة النفس، والوقوف امامها بقوة وعدم رفع الراية البيضاء، خصوصا وان ملذات الدنيا مغرية وذات أوجه مختلفة، مما يجعل يستدعي توفير الأدوات والأسلحة اللازمة، لمواصلة المعركة الدائمة.

الحصول على الأسلحة القادرة على تحقيق الانتصار، يكمن في الإرادة الصلبة، والقدرة على الصمود باستمرار، خصوصا وان أسلحة الاغراء ليست واحدة، فهي تتلون بتعدد الاهتمامات والتفكير، وكذلك تبعا للمستوى الثقافي، والوضع الاجتماعي، وغيرها من العوامل الأخرى، وبالتالي فان الاغراءات ليست على مقاس واحد لدى الجميع، فهناك العديد من الأساليب التي يبتكرها شياطين الجن والانس، لتحطيم الإرادة الصلبة، واسقاط الانسان في مستنقع الملذات الحياتية، الامر الذي يستدعي الالتفات لهذه الافخاخ التي تنصب للإنسان في معركة النفس، من اجل احكام السيطرة على العقل.

المبررات التي يقودها الانسان في السقوط، باختبار مقاومة الاغراءات والملذات، ليست قادرة على الاقناع، ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم، وبالتالي فان المرء يتحمل مسؤولية اختياراته المصيرية، نظرا لقدرته على التمييز بين الصالح والطالح، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، مما يسقط من يده جميع المبررات، لعملية السقوط المودي، امام حبائل الشيطان، نظرا لاتضاح الصورة كاملة امامه ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وبالتالي فان التحذيرات الصريحة تمثل ناقوس خطر بضرورة الحذر، وعدم الانسياق وراء النفس، باعتباره ”اعدى اعداءه“.

الاستجابة للاغراءات الدنيوية تختلف باختلاف الرغبات، وكذلك باختلاف البيئات الاجتماعية، فهناك بعض الاشخاص لا يجدون مناصا من ممارسة القتل والسلب، والدخول في مختلف أصناف الرذيلة، بهدف الحصول على المال، فهذه الفئة تعمل يدا بيد مع الشيطان بكل طواعية واختيار ”التحالف مع الشيطان“، وبالتالي هذا من البشر بحاجة الى الكثير من الجهد، وامتلاك الاراد الصلبة، للانعتاق من عبودية الشيطان، بيد ان المشكلة تكمن في صعوبة الخروج من نفق الاعمال الشيطانية، نظرا للانغماس الكامل في تلك الاعمال السيئة، سعيا وراء بريق الذهب ولمعان الفضة، دون النظر الى العواقب الاخروية، والمشاكل الاجتماعية، التي تخلفها مثل هذه الممارسات، في الوسط الاجتماعي.

البيئة الاجتماعية تلعب دورا في تحريك النفس باتجاه الصلاح، فانتشار الفساد يولد حالة من التراخي في مقاومة الملذات الشيطانية، خصوصا وان المحيط الاجتماعي احيانا يشجع على الانسلاخ من الضوابط الأخلاقية، ويدفع باتجاه الانخراط في السلوك الخاطئ، وبالتالي فان البيئة الشيطانية تشكل احد العناصر للاستسلام للشيطان، وعدم التحرك باتجاه السلوك الاخر، بيد ان هذه القاعدة ليست قدرا محتوما على الاطلاق، فالمرء يمتلك القدرة على الوقوف، في وجه التيارات الاجتماعية على اختلافها، ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، ﴿قَالَتْ رَبِّ ?بْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى ?لْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِه.

شهر رمضان يمثل احد الأسلحة المجربة، لمقاومة الملذات على اختلافها، فالشيطان لا يجد طريقا للدخول الى الصائم في الغالب، نظرا لوجود مقاومة نفسية كبرى وطاقة عظمى في الصيام، مما يدفع الصائم لمقاومة الإغراءات الخبيثة لوسواس الشيطان، اذ من الصعب التقاء تلك المغريات الشيطانية مع اهداف، ومعاني الصيام على صقل الذات، وتقويم النفس البشرية، للارتقاء بها نحو العلى والسمو، وامتلاك القيم النبيلة.

الانتصار على النفس بحاجة الى إرادة قوية، ومناخ قادر على تهيئة الظروف للدخول في المعركة، بادوات متكافئة في الحرب المصيرية، لذا فان شهر الصيام يشكل احد الأدوات الأكثر قدرة على ترويض النفس، والسيطرة عليها، ومحاولة التغلب على الاغراءات الدنيوية، وجميع الاطماع الشخصية، التي تقود الانسان للانزلاق في متاهات مظلمة، يصعب الخروج منها بسهولة.

يبقى الانسان الأكثر قدرة على تحديد مساراته الدنيوية، نظرا لامتلاك الخيارات الشخصية، بعيدا عن الاجبار او الاكراه، على السير في طرق محددة، مما يجعله مسؤولا مباشرا عن مستقبله الاخروي، عبر انتهاج الاليات المناسبة لضبط النفس، وعدم الانسياق وراء بشكل اعمى.

"أيُّها الصَّائم تدبَّر أمرَك، فإنَّك في شهرِك هذا ضيفُ ربِّك، أُنظر كيف تكون في ليلِك ونهارِك، وكيف تحفظُ جوارحَك عن معاصي ربِّك".

كاتب صحفي