آخر تحديث: 13 / 7 / 2020م - 7:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «19»

محمد أحمد التاروتي *

أظهرت سيرة الامام علي الثبات والإصرار على المبادئ، وعدم التنازل عنها او المجاملة مع القريب، فما بالك بالبعيد، ”علي مع القرآن والقرآن مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة“ و”إن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي وخل عن الناس إن عليا لا يردك عن هدى ولا يدلك على ردي. يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله.“، الامر الذي ساهم في تفرق الكثير عنه، فالحق يتطلب الكثير من التحمل، والمزيد من العمل ”لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه“ وبالتالي فان الامام جسد اسمى مصاديق الالتزام بالحق، وعدم المجاملة في سبيل احقاق الحق، ”إن خلافتكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز“.

منذ مبايعة الامام علي بالخلافة، وضع خطا واضحا في التعامل مع الجميع، وفقا للمساواة، فقد وحد العطاء وتجاوز جميع العطاءات السابقة، التي كانت تعتمد وفقا لموازين عديدة، الامر الذي ساهم في اثارة الكثير من الضغائن، ودفعت لاتخاذ مواقف معارضة، خصوصا وان المكاسب التي كانت تحصل عليها بعض الشخصيات، تلاشت بشكل كامل، ”ولو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله“، وبالتالي فان وجود خط ثابت في مسار العطاءات، شكل احد الأسباب وراء اثارة بعض المشاكل، في وجه الامام علي ، بحيث ساهمت في الدخول في المواجهة المباشرة، بيد ان تلك المواجهات لم تزد سيد الاوصياء ، سوى المزيد من الإصرار على انتهاج طريقة ”المحجة البيضاء“.

رفض الاقتراحات بالتريث في اتخاذ طريق المواجهة المباشرة مع الولاة، يكشف حقيقة المنهج الواضح لامام المتقين في التعاطي مع الخلافة، فهي تقوم على نصرة المظلوم، والوقوف في وجه الظالم ”أحسن العدل نصرة المظلوم“، فالامام علي اعطي صورة واضحة منذ اللحظات الأولى لتسلم مسند الخلافة، حيث عمد لعزل الكثير من الولاة السابقين، وعلى رأسهم معاوية بن ابي سفيان، بهدف قطع الطريق على استفادته من الفسحة الزمنية، للحصول على الشرعية من الامام علي .

خطوات الامام علي طوال السنوات القليلة من خلافته الإسلامية، شكلت منهجا واضحا في التعاطي مع الأمور، فهو يتحرك وفقا لمبدأ الحق، وعدم التعامل بمبدأ المصالح، ودهاليز السياسة، وممارسة الخداع، ”الصدق منجاة“ و”والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر كنت من أدهى الناس ولكن كل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة والله ما استغفل بالمكيدة ولا استغمز بالشديدة“، وبالتالي فان سياسة الوضوح تشكل العامل الأساس لقطع الطريق امام ارباب المصالح، لاسيما وان الأطراف الأخرى تحاول الدخول من النوافذ، بعد فشلها من المرور عبر الأبواب، حيث تشكل المراوغة احدى الوسائل للوصول الى المآرب الخاصة.

استطاع يعسوب الدين وضع ضوابط واضحة، في التعامل مع مختلف الأطراف على مساحة الدولة الإسلامية، الامر الذي احدث انقساما واضحا، وكشف ارباب المصالح الخاصة، بحيث وجدت هذه الفئة ملاذا كبيرا في أماكن أخرى، نظرا لوجود مساحات كبيرة لتحقيق مصالحها الخاصة، فيما يصعب تحقيق تلك المكاسب بجوار سيد الاوصياء ، وبالتالي فان الخط الثابت الذي رسمه الامام علي ، ضيق الطريق على ارباب الأهداف الشخصية، بحيث تجلت في الكثير من المواقف الذي سجلته صفحات التاريخ، ”ومن ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق“.

بالرغم من معرفة سيد الاوصياء بغايات بعض الشخصيات، من وراء اثارة بعض الخلافات والمشاكل، فانه لم يتخذ مواقف استباقية، او انتهاج سياسة القمع، او حرمانها من ابداء الرأي، فقد فتح لها الباب للتعبير عن وجهات نظرها، ضمن المساحة المسموحة، وفي اطار الخلافات والصراعات السياسية، فيما اتخذ موقفا صارما بمجرد رفع السيف، فالخوارج وجدوا مساحة كبيرة، كحزب للمعارضة السلمية والسياسية، بيد ان الموقف اختلف كليا مع اقدام الخوارج، على اشهار السيف في وجه الامام علي ، مما ساهم في اندلاع معركة النهروان، والتي ساهمت في القضاء على الخوارج باستثناء اعداد قليلة.

انتهاج الخط الثابت في سيرة سيد الاوصياء ، يمثل احدى الدروس المستفادة من ذكرى استشهاد امام المتقين، بيد ان الوقوف على سيرة الامام علي ، تتطلب الكثير من البحث والمزيد من المعرفة، فالعقول القاصرة ليست قادرة على استيعاب عملاق، لم تنجب البشرية مثله بعد سيد البشر الرسول الاكرم ﷺ، ”يا علي، ما عرف الله إلا أنا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا“.

كاتب صحفي