آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 7:09 م  بتوقيت مكة المكرمة

هكذا تكلم «حيُّ بنُ كُوفان»

ياسر آل غريب *

هكذا تكلم «حيُّ بنُ كُوفان»

قصيدة ألقيت في مهرجان السفير الثقافي بمسجد الكوفة المعظم 8 - 6 - 2019

في أرض ( كوفانَ ) ذابتْ كلُّ أبعادي 
مذ كنتُ أبصرُ فيها أرضَ ميعادي

فيها استدارتْ رمالٌ من طبيعتها
في كل ذرّةِ رمل سرُّ إيجاد 

وعندما قال ربُّ الكون في شغف :
كوني انعتاقا ، فكانت ظبية الوادي

ولم تزل تترامى في انطلاقتها 
مهما أحاط مداها سهمُ صياد

قرأتُ فيها حديثَ النور عن قمرٍ
عن ذلك الغيبِ مرويًّا بإسناد

ألقتْ على جسدي من أبجديتها
ظلا بليغا بما يحلو من ( الضاد )

 وهذه الأحرفُ الكوفيةُ ارتسمتْ 
على مقاساتِ  أثوابي وأبرادي

لم تعرفِ الأرضُ لي بدءًا ومختتما
من فرط ماكنت فيها الرائحَ الغادي

كأنني - حين أرنو سور مسجدها -
أمشي محاذاة أزمانٍ وآماد 

وحين أدخل - يا الله - تحضنني
عينا ( علي ) بتحنان وإسعاد 

أحبُّ فيه الذي مالا يُقال به
مالم تقله القوافي لـ(ابن عَبَّاد)

كأن محرابه للأفق نافذة 
يطلُّ منها على نجم المدى الهادي 

هذا الذي أوسعَ المعنى بفكرتِهِ
واعتاضَ عن كثرةِ الدنيا بآحاد 


أضفى على طينة الجدران  أنسنةً
فذي مصابيحها أطيافُ عُبَّاد

وما البيوتُ التي ضمّتْ محبته 
سوى قلوبٍ وأحشاءٍ وأكباد 
 
هنا ترفرف للذكرى ملائكةٌ
ويستفيقُ بجوفي الطائرُ الشادي

للأنبياء مقاماتٌ ؛ لأذرعَها
لا بدَّ أن أصلَ الأعلى بأورادي

أصغي لأسرارِ أبوابٍ وأعمدةٍ
كأنني بين أرواحٍ وأجسادِ 

كم مرَّ من ها هنا التاريخُ محتشدا
يحصي التفاتَ الرؤى في عينِ مرتاد 

حتى المماتُ بأرض الكوفة اختلفتْ
ألوانُهُ بين إبراقٍ وإرعاد

فما دماء ( عليٍ ) في طهارتها
إلا اكتمال السنا في سفر أمجاد 

وما ارتمى ( مسلمُ ) من فوق شاهقةٍ 
إلا رؤى نيزك في الجو وقاد 
 
ولم تزل نخلةُ ( التمّار ) زاخرةً 
بالكبرياءِ ، وتعطي أطيبَ الزادِ 
 
لم ينسكبْ من نحورِ الأصفياء دمٌ
إلا ليغرقَ حكمَ الجائر العادي

كم خالط الحزنُ أفراحي ، وها أنذا
أخطُّ في أضلعي مرثاة أعيادي 

لن أشربَ الكأسَ مهما احتلني ظمأ
مادامَ في الكأسِ يبدو وجهُ جلّاد

لن أستعيرَ من الأيام  أقنعة 
حسبي من الشمس وجهُ الشاهد البادي

وكلما اخلولقتْ ألوانُ عاطفتي 
جددتُ في الكوفةِ الغراءِ  ميلادي

صنعتُ ذاكرتي مسرى مخيلتي
حتى أرى الغدَ معقودا بأجدادي

أهوى العراقَ حضاريا يسافر بي
لـ( سدرةِ المنتهى )  في نغمة الحادي

نمت علاقتنا من ألف بارقةٍ
مثل العلاقةِ بين النهرِ والصَّادي

أهوى العراقَ ومن فرطِ الغرامِ به
ضبطتُ قلبي على توقيتِ بغدادِ