آخر تحديث: 13 / 7 / 2020م - 8:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «23»

محمد أحمد التاروتي *

ليلة القدر بما كل ما تحمل من اسرار كبيرة، تمثل فرصة كبرى ومناسبة مثالية، للتضرع الى الخالق، والحرص على احيائها، الامر الذي يفسر الاستعدادات الواضحة لاستقبال هذه الليلة، بطريقة مختلفة تماما عن الليالي الأخرى، من شهر رمضان المبارك، فالصائم يتحرق شوقا لاحياء هذه الليلة بالدعاء والعبادة، والتضرع الى الله تعالى، خصوصا وانها فرصة لا تتكرر سوى مرة واحدة سنويا، ”ليلة القدر خير من الف شهر“، وبالتالي فان عملية الاستفادة من لحظات هذه الليلة، تنم عن ادراك كبير بضرورة الخروج بحصيلة وافرة، من العطاءات المعنوية هذه الفرصة الثمينة، ”من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر الله ما تقدّم من ذنبه“.

المتغيرات في الحياة الاجتماعية على كافة الأصعدة، نتيجة الإجراءات الاحترازية لمواجهة وباء كورونا، شكلت حافزا للبحث عن البدائل المناسبة من جانب والاستفادة من التطور التقني من جانب اخر، بهدف القفز على الظروف القاهرة بما يعود بالفائدة الكبرى، حيث تحولت المنازل الى دور عبادة منذ الساعات الأولى، وحتى ساعات الفجر، وبالتالي فان تفويت رحمة الله الواسعة في ليلة القدر، ليس في وارد الصائم على الاطلاق، خصوصا وان الانسان قادر على تطويع الظروف الاستثنائية بطرق مختلفة، مما يسهم في الاستفادة القصوى باشكال متعددة، ”إنا أنزلناهُ في ليلةٍ مباركةٍ إنا كنا مُنذٍرين * فيها يُفرَقُ كلُ أمرٍ حكيم“.

ادراك الصائم بأهمية ليلة القدر يدفعه للاستفادة منها، نظرا لتفتح أبواب السماء، ونزول الرحمة الواسعة على العباد فيها، وبالتالي فان ضياع هذه الليلة خسارة لا تعوض على الاطلاق، ”ضياع الفرصة غصة“، بالإضافة لذلك فان الانسان لا يعلم هل يكتب له عمر لادراك السنة القادمة، مما يستدعي الاستعداد النفسي والجسمي لاحياء ساعات ليلة القدر، خصوصا وان حسرة ضياع هذه الليلة لا تعوض باعتبارها من عمر الشخص، فالمرء يطمح خلال هذه الليلة لعتق رقبته من النار والفوز بالرضوان، ”من أحيي ليلة القدر غفرت له ذنوبه ولو كانت عدد نجوم السماء ومثاقيل الجبال ومكائيل البحار“.

ليلة القدر عظيمة بكل المقاييس، نظرا لما تمتاز به من أشياء كثيرة بالمقارنة كافة الليالي في الشهور الأخرى، بالاضافة لذلك فان ”اخفاءها“ عن العباد يدفع الصائم للاجتهاد في الليالي المحتملة، الامر الذي يفسر الحرص على احياء العديد من الليالي الفرادى في العشر الاواخر، فالصائم يستعد لاحياء تلك الليالي بالتضرع، والعبادة لساعات طويلة، وبالتالي فان ادراك ”سيدة الشهور“ غاية الصائم، لاسيما وان ليلة القدر ”يفرق كل امر حكيم“، مما يجعل الاجتهاد والتضرع امر مطلوب، للحصول على المغفرة والرضوان، ”شهر رمضان سيد الشهور، وليلة القدر سيدة الليالي“، وأن الملائكة تهبط إلى الأرض، وأن الله ىغفر ذنوب عباده في هذه الليلة ".

رحمة الله الواسعة تتجلى في جميع الأشياء ومختلف الأوقات، بيد ان الرحمة تصب صبا في ليلة القدر، فهي ليلة من ليالي شهر الله الذي ”كل عمل ابن آدم له كفارة إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به“ وبالتالي فان من رحمة الله الواسعة للعبد توفيقه لادراك ليلة القدر، مما يعطي الانسان فرصة جديدة لتجديد العلاقة مع الخالق، والخروج من الاعمال السيئة، والانطلاق بروح جديدة، وبالتالي فان ليلة القدر فرصة للتعاهد مع الله للبدء بحياة جديدة، والحرص على وضع الأمور وفقا لمرضاة الله، والابتعاد عن المعاصي.

”وهو شهرٌ فيه ليلةٌ نزلت الملائكةُ فيها من السَّماء، فتُسلِّم على الصَّائمين والصَّائمات بإذن ربّهم إلى مطلع الفجر وهي ليلةُ القدر، قدَّر فيها ولايتي قبل أن خُلِقَ آدم بألفَي عام، صيامُ يومِها أفضلُ مِن صيام ألفِ شهر، والعملُ فيها أفضلُ من العملِ في ألف شهر“ كما جاء في خطبة الامام علي في استقبال شهر رمضان المبارك.

كاتب صحفي