آخر تحديث: 3 / 6 / 2020م - 12:05 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أصواتُ بكاء ، ليلة القدر اتّصال وحُظْوَة!

ليلى الزاهر *

بالأمس اتّجهت مراكب الموت نحو بيت صديقتي فاختارتْ ركن الأمان والرداء الدافئ لتخطفه وسط ذهولٍ انتاب أسرتها لم يبقَ من مرايا القدر المؤلمة سوى الإذعان لأمر الله تعالى.

فارقتْ أمُّ صديقتي الحياة وتمنيتُ أنْ أسمع شَهِيق بكائها ، أصوغ معها جميع مفردات التَأَوُّه والتَوَجُّع لفراق أمّها ولكن هيهات لو ترك القطا لغفا ونام.

وهكذا أصبحنا دون أجنحةٍ نحلق بها لنواسي من نُحب في مُصابهم وباتت أقصى أمنياتنا سماع صوت بكائهم.

لقد رحمنا الله تعالى بتلك الدموع التي تسقط فتنفّس عن أحزاننا ، وتسقط آلامنا بسقوطها.

إن البكاء سيرة الأنبياء والملوك والفلاسفة والعلماء.

يقول الإمام الصادق عليه السلام: البكاؤون خمسة: آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة وعلي بن الحسين ”عليهم السلام“.

لقد بكى آدم عليه السلام على الجنة بكاء مريرًا حتى احتفرّ خداه كالأودية من كثرة انهمار الدموع ، ولقد بكت السيدة فاطمة والدها رسول الله ﷺ بكاء جعلني أتذكر سؤال نبي الله إبراهيم ربه بأن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته.

ولأن البكاء غريزة فطرية عند الإنسان تصاحبه منذ ولادته يشقّ به بداية حياته فهو سلاحه عند الموت والألم وفراق أحبته.

ولقد وجد الإمام زين العابدين البكاء طريقا لِسكْب أحزانه على أبيه الحسين عليهما السلام ، كما وجد نبي الله يعقوب البكاء وسيلة التجاءٍ لله تعالى لردّ يوسف إلى أحضانه.

وخير البكاء وأجلّه بكاءٌ يعرج بروحك للسماء في هذه الليلة العظيمة ، فتأنس روحك بين يدي الله تعالى ، يطهرك من ذنوبك، يغسل آلامك، يحقق أمنياتك.

لقد آنَسْتُ نورًا يخرج من قلوب العاشقين لموائد الرحمن فانحسر الظلام ، وأشرقت النفوس ، وتأمّلتُ أن أحظى بِقَبَسٍ من أنوار الله تعالى التي تنزل على أرواحنا وقلوبنا في هذا الحشد الهائل كما تنزل ملائكة الله تخفق بأجنحتها على أولياء الله تعالى .

ليلة مباركة ‏﴿فِيها يُفْرَق كُلّ أَمْرٍ حَكِيم

‏لايُغشِكَ موجُ الآثامِ ، فأقمْ وَجْهكَ نحو سماءِ الغفران ، امتزجْ بالخيال وعانق أجنحة الملائكة المقدّسة ، فقد تخْصب صورهم ويصبح الخيال بنكهة الواقع .

‏عشرٌ أواخر تَخْفُقُ بأجنحتها سِراعا ، فينتابني شعور الأسطورة عندما تخرق زمننا ، وينتصرُ الإيمان.

بدموع خشعت لذكر الله ، وتضرعت ساكبة التوبة نسأل الله تعالى في ليلة القدر اتّصالا حقيقيا يخالطه الإيمان وحُظْوَة عند الله ننال بها شرف الدنيا و الآخرة.

‏⁧ آثار رحمة الله اقتربت ، بركاته تعالى تحفّ بنا ، نداءٌ خفيّ يطرقُ أبواب السماء لنستعد للقاء العظيم.