آخر تحديث: 28 / 5 / 2020م - 11:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «28»

محمد أحمد التاروتي *

الابتعاد الكامل عن الشبهات والمحاذير، عملية أساسية لاستكمال رحلة الصيام، التي انطلقت منذ بداية الشهر الفضيل، وتستمر حتى اعلان عيد الفطر المبارك، خصوصا وان الحرص على الاستقامة في الطريق، عنصر أساسي للفوز بالجنان، بيد ان الاستقامة عملية تتطلب المواصلة على البرامج الروحية، لاخراج النفس من الركون الى الأرض، والاستجابة للاهواء الشيطانية.

ادراك الصائم بأهمية التمسك الطريق المستقيم، يفرض انتهاج طرق خاصة تتجنب الوقوع، في الافخاخ التي ينصبها شياطين الانس والجن، خصوصا وان ثمن الاستقامة باهض في الدنيا، وولكنه يبقى زهيدا بالقياس الى نعيم الجنان ”شر الناس من باع آخرته بدنياه، وشر من ذلك من باع آخرته بدنيا غيره“ ”وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى? بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ? وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ? فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ“ و”يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ“.

الحرص على اختيار الخطوات عملية أساسية، بهدف وضع القدمين في المسار الصحيح، فالانحراف يمكن تداركه في جميع الأوقات مع وجود الإرادة الصلبة، ولكنه يكون صعبا لدى البعض نتيجة الانغماس الكامل في الملذات، والانخراط في طريق الشيطان، مما يجعل ”فرملة“ المسير ليست سهلة على الاطلاق، الامر الذي يستدعي الاختيار الصائب منذ البداية، والحرص على مواصلة العمل وفقا للاوامر الإلهية.

الخشية من الخروج من رحمة الله، تمثل احد المخفزات الأساسية، للانخراط في الطريق الصالح وترك الاتجاهات الخاطئة ”، إنْ طُرِدْتَ عن بابِ مليكِك فأيَّ بابٍ تقصد“، وبالتالي فان مراقبة الذات في جميع الأحوال، يخلق حالة من الخوف من الوقوع في ”شرك“ الشيطان، مما يمثل خسارة كبرى في الاخرة، ولكنها لا تستثنى الخسران في الدنيا، ”انّكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بحسن أخلاقكم“، مما يستدعي ترك الشبهات والحرص على الاعمال الصالحة، التي تشكل الرصيد الحقيقي للمرء في الحياة الدنيا والاخرة.

التواضع في العبادة عنصر مهم في برمجة الاليات المتبعة، في تشكيل قواعد العلاقة مع الخالق، ”وإنْ أهانك فمَن ذا الذي يُكرِمُك، وإنْ أذلَّكَ فمَن ذا الذي يُعِزُّكَ“، خصوصا وان التفاخر في العبادة يفقدها الكثير من اثارها المعنوية على الذات، فيما الإقرار بالتقصير المستمر، يدفع لمواصلة العبادة للفوز برضوان الله، ”لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ? إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ“، وبالتالي فان التواضع يقهر حالة الغرور لدى الانسان، بحيث ينعكس في ترتيب العلاقة مع الخالق أولا، وكذلك اظهار القيم الجمالية في العلاقات الاجتماعية ثانيا، وبالتالي فان التواضع لا تظهر اثاره على الذات فقط، وانما تبرز بشكل او باخر في الوسط الاجتماعي.

الطرق الدائم على باب الخالق، ترجمة عملية للعبودية التامة لله، ”وإنْ حَرَمَكَ ربُّك فمَن ذا الذي يرزقُك“، فالمرء يلجأ الطرف للقوي في حالات الضعف والانكسار، وبالتالي فان اعتراف الانسان بالخضوع الكامل، يظهر على شكل التضرع المستمر لخالق العباد، وبديع السموات والأرض ”قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى? أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ? إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ“، فالمرء الذي يطرق باب الله يجد الجواب والرحمة الواسعة ”وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى? ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَ?كِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى ? فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا“.

مع قرب انتهاء شهر رمضان واعلان فرحة العيد، فان الصائم مطالب باستغلال هذه اللحظات القليلة، لتوظيفها بشكل عملي بما يرضي الله، خصوصا وان أبواب السماء مفتوحة للداعين، ”وإنْ خَذَلَك فمَن ذا الذي يَنصرُك“، فالصائم ما يزال قادرا على استكمال الرحلة الإلهية، بما يقود الى حسن الخاتمة، لاسيما وان العلاقة مع الخالق تختلف باختلاف البشر، ”إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار“، وبالتالي فان انتهاء شهر الصيام يشكل حسرة كبرى لدى البعض، حيث يتمنوا ان يستمر لفترة لاستمرار في العبادة بشهر التوبة والمغفرة.

" أيُّها الصَّائم، إنْ طُرِدْتَ عن بابِ مليكِك فأيَّ بابٍ تقصد، وإنْ حَرَمَكَ ربُّك فمَن ذا الذي يرزقُك، وإنْ أهانك فمَن ذا الذي يُكرِمُك، وإنْ أذلَّكَ فمَن ذا الذي يُعِزُّكَ، وإنْ خَذَلَك فمَن ذا الذي يَنصرُك، وإنْ لم يقبلك في زُمْرَةِ عَبيدِه فإلى مَنْ ترجِعُ بعبوديَّتِكَ، وإنْ لم يُقِلْكَ عثرتَك فمَن ترجو لِغُفران ذنوبِكَ، وإنْ طالبَكَ بحقِّه فماذا يكون حجَّتُك".

كاتب صحفي