آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 9:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

الهلال.. الحميّة

محمد أحمد التاروتي *

الاختلاف في ثبوت هلال شوال ليس شاذا او غريبا على الاطلاق، فالمعارك الخلافية في دخول شهر شوال، ليست مقتصرة على بيئة اجتماعية، ولكنها تشمل الدائرة الإسلامية في مختلف الدول، مما يجعل عملية توحيد هلال عيد الفطر المبارك ليست سهلة، نظرا لاختلاف الاجتهادات الفقهية، بالإضافة للتباينات الواضحة بين علماء الفلك والفقهاء.

الساعات القليلة الماضية سجلت انقساما واضحا في ثبوت هلال شوال، بسبب الاختلاف في اعتماد على المباني الفقهية للمراجع، حيث تسود لدى المراجع مباني مختلفة في طريقة اثبات الهلال في مختلف الأشهر، فالعملية ليست مقصورة على هلال عيد الفطر المبارك، وانما تشمل مختلف الأشهر القمرية، حيث يعتمد الفقهاء على مباني ”وحدة الأفق“ و”تعدد الأفق“، وبالتالي فان التكليف الشرعي يحدد طريقة التعاطي مع هلال شهر شوال، مما يسقط التجني الذي يتباه البعض، او محاولة البعض اسقاط الانقسام على فئة اجتماعية، خصوصا وان العملية ليست مرتبطة بالأهواء او محاولة الظهور، بقدر ارتباطها بطريقة تعاطي المراجع مع ثبوت الهلال.

التكليف الشرعي يحدد مسار ”الإفطار“ او ”الصوم“، فالعملية ليست مرتبطة بحب الظهور او تسجيل نقاط كثيرة على فئات نخبوية منافسة، باعتبارها المسؤولة عن الانقسام الحاصل في المجتمع، لاسيما وان التكليف الشرعي يفرض على تلك النخب الاجتماعية، استخدام الشفافية والايضاح الشرعي للجميع، بهدف وضع الجميع في الصورة بعيدا عن الاكراه، او محاولة ممارسة الفوقية على البيئة الاجتماعية، وبالتالي فان العملية ليست مرتبطة بالإجبار ورفع الأسهم في البيئة الاجتماعية، ”لا اكراه في الدين“ ”دين الله لا يقاس بالعقول“.

محاولة اثارة زوبعة اجتماعية تجاه فئات محددة، تنطلق أحيانا من غياب الرؤية الواضحة، او قصور في معرفة بالأسباب الحقيقية، وراء الاختلاف او الانقسام الافقي في المجتمع، مما يستدعي التريث قبل إطلاق الاحكام، نظرا لخطورة اثارة تلك الأمور على الصعيد الاجتماعي، ”الفتنة اشد من القتل“، بيد ان النقاش العلمي امر صحي في المجتمعات، من خلال تناول المواضيع بطريقة موضوعية، بعيدا عن المواقف المسبقة، او توجيه الاتهامات تجاه بعض الفئات الاجتماعية.

استيعاب البيئة الاجتماعية للاختلاف الفقهية، وتعدد الاجتهادات في المدرسة الشيعية، يسهم في تهدئة الأمور واتخاذ الموقف العقلاني، بعيدا عن المواقف الارتجالية او الانفعالية، خصوصا وان عملية الاختلاف في المدرسة الشيعية، لا يطال الية اثبات الهلال، وانما يشمل الكثير من المسائل العبادية، بيد ان تلك الأمور الاجتهادية خافية عن الكثير من الناس، نظرا لعدم الاحتكاك المباشر معها، مما يجعلها بعيدة عن تناول المجتمع، بخلاف هلال شوال الذي يتقاطع مع الفئات الاجتماعية بطريقة مباشرة، الامر الذي يدفع البعض للاندفاع في توجيه السهام لفئات نخبوية.

الدخول في النوايا عملية ليست صحية على الاطلاق، كما اطلاق العبارات القاسية لا يخدم النقاش الموضوعي، فالعملية لا تخرج عن كونها ممارسة عبادية بالدرجة الأولى، فالجميع يتقرب الى الله وفقا للمباني الفقهية، سواء بالنسبة للإفطار او الصيام، مما يعني ان الامر لا يخرج عن دائرة الاجتهاد الفقهي ولا يدخل ضمن الحسابات الشخصية، او المكاسب الذاتية على حساب الأطراف الأخرى.

الهدوء في التعاطي مع هلال شوال يساعد في وضع الأمور في المكان السليم، فيما الحالة الانفعالية تخرج الانسان من الهدوء، مما ينعكس على اطلاق بعض المسميات غير المناسبة، وبالتالي فان التفكير العقلاني البعيد عن الحالة العاطفية، يشكل مخرجا لإدراك المسألة وفقا للطبيعة العلمية، ”الناس أعداء ما جهلوا“، فالمرء مطالب بالتحري والدقة لإزالة اللبس، والحصول على المعلومة الدقيقة ”من قال لا اعلم فقد افتى“، بمعنى اخر، فان الانسان الذي يتحرك باتجاه تقريب وجهات النظر، يحتل مكانة مرموقة في المجتمع، بخلاف الذي يحاول صب الزيت على النار، فانه يواجه بردود أفعال ليست في الحسبان ”اسأل حتى يقال عنك مجنون“.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 6
1
محمد احمد
[ القطيف ]: 25 / 5 / 2020م - 6:19 م
مقال متعقل و رصين
وهذا الفرق بين من يفهم الاحكام ومقاصد الشريعة من غيره
2
أسامه الخميس
[ القطيف ]: 25 / 5 / 2020م - 6:43 م
إختلاف الأحكام الشرعية في مواضيع الثانيه تتعلق بعمل فرد و لكن أمر الهلال يتعلق بالأمة الإسلامية و الحكم الشرعي الحقيقي هو واحد و تعدد الحالي هو شرعي إجتهادي
فالإختلاف فالمنظور يوم العيد أحد أفطر و أحد صام و لكن واقع لا يعكس فقط فمرتبط بأيام عباديه فلا يوجد يومين لعرفه و المبعث و النص من شعبان و غيرهم فتعدد الآراء تضيع على البعض فضل الأيام
فالحل إنشاء لجنه إستهلال ممثله للمراجع الكرام لتوحد القاعده الفقهيه فلما يجتمع عقول الكبار فيصدر حكما أكثر مكانه علميه و توحد الأمة
3
ام حسين
[ القطيف ]: 25 / 5 / 2020م - 6:48 م
الخلاصة يا استاذ محمد هو قول الباقر (ع) ( إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فافطروا وليس هو بالرأي ولا بالتظني ولكن بالرؤية)
4
محمد
[ القطيف ]: 25 / 5 / 2020م - 7:05 م
بارك الله فيك أخي الكاتب
5
ابراهيم
[ الرياض ]: 25 / 5 / 2020م - 7:21 م
اخي الكاتب توضيحك ممتاز لكن اليس من المستغرب ان لا يتوافق عيد المواطنين في يوم واحد ايظا لماذا الارتباط بمرجعية النجف دائما وانتم في اقليم مستقل وبعيد؟ التبريرات والطروحات ليست كل شيئ ارجوا ان يكون هناك مراجعات تقرب في الاحتفال الموحد بين ابناء الشعب الواحد
6
ابو رضا
26 / 5 / 2020م - 4:29 ص
كلام جميل ومتعقل.

وفي اعتقادي، في السابق، في زمن السيد محسن الحكيم كانت مرجعيته تقريباً شاملة لجميع سكان القطيف فكان الناس يصومون في يوم واحد ويفطرون في يوم واحد، وكان اعلان الشيخ القائم بموضوع الاستهلال موحد لجميع اهلي القطيف، وكان الناس يتقبلون الاعلان تعبدياً.

اما الان فتعددت المرجعيات وتعددت المباني الفقهية، فالقيام بطرح اعلان واحد للجميع لن ينفع، لانه لو تقبل ذلك بعض مقلدي احد المراجع فلن يتقبله مقلدي المرجع الآخر.

وكما رأينا، الفوضى والاختلاف الذي حصل والذي وصل لحد ألفاظ التجريح بل حتى الاشعار المسيئة بطريقة تشير إلى وجود امور نفسية مسبقة لدى اصحابها تجاه العلماء والمرجعية، وكان الحدث فرصة لاخراج ما بانفسهم.
عموماً الحل بيد اهالي القطيف بالاتفاق على مرجعية واحدة مؤهلة للتقليد.
كاتب صحفي