آخر تحديث: 10 / 7 / 2020م - 2:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

انفخ يا شريم!

تسعٌ وتسعون بالمائة من خلافات وسجالات الحياة المهدورة هي في سياق المثل القديم: قال انفخ يا شريم، قال: ما من برطم"!

يقال أن شخصًا اسمه ”شريم“ أصابته علة فضاقت عليه الأرض ولم يجد سوى عجوز تداوي بالأعشاب. بقي ”شريم“ في بيتِ العجوز يئن في الليل من الألم ولم ينفع معه الدواء. نادت العجوزُ أخواتها من النساء ”الطبيبات“ اللاتي جعلنَ يصفنَ ”لشريم“ أنواعَ الدواء ولم يبرأ. قالت إحداهن عندما عجزنَ عن الدواء أن عجوزا في مكانٍ آخر تستطيع علاجه. لم يتردد ”شريم“ في قصدها لكنه تعثرَ في الطريق وانقطعت شفتاه، وعندما وصل طلبت منه العجوز أن ينفخ في النار حتى تحمي الحديد وتكويه ويشفى، فلم يستطع.

عجز ”شريم“ أن ينفخ في النار لما لم يكن يملك شفة ”برطم“ تَجمع الهواءَ وتحجزه في ممر ضيق وينطلق بكثافة، واعتذر بصراحة أنه لا يملك القدرةَ والأهلية والأدوات على أداءِ الطلب وإشعال النار التي فيها الفائدة والعافية.

فإذا ما أصبح الآن كلّ الناس ”شريم“ فقط لأنهم يملكونَ شفايف وبراطم ضخمة وصاروا ينفخون وإن لم يكن هناك نار، فما المانع إذن؟ لا مانع إذا لم ينفخ ”شريم“ الرمادَ والغبار ويعمي عينيه وعيون الآخرين من حوله الذين لا ينفخون ويصيبها بالقذى ويجلب لها الأذى عوضاً من الشفاء. ثم أليس من الأجدى أن ينفخ ”شريم“ مع ضعفِ قدراته في نار محصلتها ضياء وطاقة؟

من العبث أن يتحول المجتمع كله كتلة من ”شريم“ تنسى فرصها الضائعة ومعالجة النقص وسد الخلل والفرج بينها وفي ثوانٍ معدودات كلها تنفخ في رماد؟ وتنسى الواحد بالمائة من الجذواتِ المشتعلة والجمرات الملتهبة التي عليها يدور قطب رحى حياتها وثقلها الوَازن وتحمل في طياتها الشفاء!

كثرة وتوافر ”شريم“ والنافخينَ في الرماد في أي مجتمع ليس لها دلالة إلا على النقص والوهن وعدم الجدية في البحث عن طاقات كامنة وفرص واعدة لا تحتاج إلا القليل من الجهد وينبعث منها الضياء والطاقة المفيدة بدلا من غبار ”شريم“. ومجتمع يعزز تواجد نظرية ”شريم“ يصح فيه قولُ عمرو بن معد يكرب:

فمن ذا عاذري من ذي سفاهٍ
يرودُ بنفسه شر المرادِ
لقد أسمعتَ لو ناديت حيا
ولكن لا حياةَ لمن تنادي
ولو نارٌ نفخت بها أضاءت
ولكن أنتَ تنفخ في الرمادِ
أريد حياته ويريدُ قَتلي
عذيرك من خليلك من مُرادِ

مستشار أعلى هندسة بترول