آخر تحديث: 13 / 7 / 2020م - 8:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

التصنيف

محمد أحمد التاروتي *

يمارس البعض ”لعبة“ التصنيف لاطياف المجتمع، بحيث يضع طرفا في اقصى اليمين، والاخر في جهة الشمال، والثالث في المنطقة الوسطى، بهدف احداث بلبلة في البيئة الاجتماعية من جانب، ولغاية في ”نفسه“ من جانب اخر، خصوصا وان الفوقية التي يحاول فرضها على الاخرين، تدفعه لانتهاج هذه السياسة الاجتماعية المريضة، فالتقسيم لا يخدم الكيان الاجتماعي على الاطلاق، نظرا لاثاره النفسية والأخلاقية على الجميع.

التعاطي مع المجتمع على أساس فئوي او تقسيمي، يولد حالة من التباعد النفسي، ويحدث انقسامات عميقة في بنية التفكير الجمعي، مما يؤسس لحالة فئوية لا تخدم التماسك الداخلي، على المدى القريب والمتوسط والبعيد، خصوصا وان ثقافة التصنيف تحدث اثرا نفسيا فيما يتعلق بالاليات المناسبة، للتعاطي مع الأطراف الأخرى، نظرا لقدرة بعض الخطابات التحريضية على شحن النفوس، تجاه بعض الفئات الاجتماعية، بحيث تظهر على شكل صدامات مباشرة، سواء على صورة حالات فردية او بشكل جماعي.

حب الظهور احد الامراض النفسية، التي تدفع باتجاه ممارسة ”التصنيف“، فالاختلاف الفكري او التباين في التوجهات، ليس مدعاة لتقسيم الفئات الاجتماعية، في اتجاهات مختلفة، فالتباين الفكرية عملية صحية ”اختلاف امتي رحمة“، بيد ان البعض لا يدرك أهمية تعدد القناعات واختلاف التوجهات الفكرية، حيث يتخذ هؤلاء مبدأ ”من ليس معي فهو ضدي“، الامر الذي يدفع لانتهاج سياسة ”التصنيف“، لاحداث ”فورة“ اجتماعية تجاه احدى الفئات الاجتماعية، وبالتالي فان ”ضيق“ الصدر يمثل احد الأسباب وراء سياسة التصنيف.

الفشل في احتلال مواقع متقدمة في البيئة الاجتماعية، يدفع البعض لاقتناص بعض الفرص الاستثنائية والمفصلية في المجتمع، بهدف الدخول من ”الشباك“ بعد فشل الولوج من ”الباب“، حيث يعمد لاطلاق التصنيف لاستثارة العواطف الاجتماعية بطريقة خاطئة، خصوصا وان الضرب على الوتر العاطفي يشحن النفوس من جانب ومن جانب اخر يترك اثارا سلبية على البيئة الاجتماعية، بحيث تقود الى تداعيات خطيرة لتتجاوز التفكير السطحي لاصحاب سياسة ”التصنيف“، فهي تأتي على الأخضر واليابس، بمجرد خروجها عن السيطرة، وانتشارها في التفكير الاجتماعي، خصوصا وان عملية ضبط ردود الأفعال الاجتماعية، غير مضمونة في بعض الأحيان، مما يدخل الجميع في صراعات عميقة للغاية، ”وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ“.

غياب القدرة على قراءة التداعيات الاجتماعية الخطيرة لسياسة ”التصنيف“، يمثل احد الإشكالات وراء انتقاد هذه الظاهرة المريضة، لاسيما وان البعض يحاول تكريس واقعا غير صحي، وكذلك احتلال مواقع متقدمة في المجتمع، مما يدفعه لاطلاق الدعوات ”التقسيمية“، بهدف كسب شريحة اجتماعية، والدخول اليها بطرق غير أخلاقية، وبالتالي فان امتلاك الوعي الكافي يقضي على هذه الدعوات، مما يؤدي الى افشال هذه السياسة، والقضاء عليها في المهد، خصوصا وان الانجرار وراء ”التصنيف“ يتسبب في ظهور امراض أخلاقية في المجتمع، بمعنى اخر، فان المسؤولية الأخلاقية تفرض اتخاذ الإجراءات المناسبة للحيلولة دون اختراق هذه الدعوات الفكر الجمعي.

سياسة التصنيف الاجتماعي تكشف حقيقية أصحابها أحيانا، فهي تصب في تحقيق المصالح الذاتية، ولا تخدم المجتمع على الاطلاق، فاحداث انقسامات في البيئة الاجتماعية يقضي على التماسك الداخلي، مما يؤسس لمرحلة خطيرة للغاية على الصعيد الشخصي أولا، والجمعي ثانيا، مما يجعل عملية اختراق البيئة الاجتماعية سهلة للغاية، نظرا لوجود الأرضية الخصبة، لتعميق تلك الخلافات بشكل كبير، وبالتالي فان الوعي الأخلاقي بضرورة احتواء جميع الفئات الاجتماعية، يساعد في إبقاء عوامل تماسك الكيان الاجتماعي، مما يفوت الفرصة على الأطراف الساعية لاختراقها، وتفتيت البيئة الاجتماعية لاهدافها الخاصة.

الدعوات الساعية لتصنيف المجتمع تمثل خطورة كبرى، مما يستدعي الوقوف امامها بحزم، وعدم الالتفات اليها، سواء كانت صادرة من اطراف تمتلك نفوذا اجتماعيا، او صادرة من اطراف تحاول التسلق على الاكتاف، بطرق غير أخلاقية، لاسيما وان ادراك الأهداف الحقيقية لتلك الدعوات، يسهم في قتلها منذ البداية، نظرا لافتقارها للأرض الخصبة التي تساعدها، على النمو والانتشار بطريقة سريعة.

كاتب صحفي