آخر تحديث: 10 / 7 / 2020م - 3:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

غدا أكون حرَّا - مشاعر البارحة

كنت في صغري ولا أزال مغرمًا بقراءة القصص بما فيها وما يمر على شخصياتها من أحداثٍ ممتعة أحيانا وغير مرغوب فيها أحيانا أخرى. وكان لابد أن يكون في أحدِ الروايات والقصص ما يحكيه سجناء من ألم فقدان الحرية والاحتجاز في مكانٍ لا يستطيعون مغادرته والمشي في العالمِ الأرحب والأوسع. لعله فقط الشعور بأن شيئًا ذا قيمة عليا لا تعادلها أخرى فقدوه، إذ لو كانوا أحرارا ربما لبثوا في منازلهم ولم يغادروها بنفس مقدار مدة الحبس التي كانوا فيها أو أطول.

وكان يحبس أنفاسي وصفهم لمشاعرهم وأحاسيسهم في الساعةِ التي يعرفون فيها ميعاد إطلاق سراحهم فتراهم مأخوذين بأحاسيس لا يدركون حجمها، أو عمقها، ولا يمكن لتعابيرهم أن تحيط بها إلا في كلماتٍ قليلة أكثرها بلاغةً جملةٌ مختزلة من أربع كلمات: ”غداً سوف أكون حرَّا“.

مع حمدِ الله وشكره على نعمةِ الحرية، هكذا كانت أحاسيسي ليلة أمس! نظرت الساعة فوقَ الحائط بعد الغروب عدَّة مرات وكانت أبطأ من الليالي السابقة. لملمتُ أغراضي مثلما يلملم السجين محتوياته القليلة وانزويتُ للفراش مختصرًا المسافةَ الزمنية على غير العادة بين الزنزانة وباب السجن.

نمت باكرا لكي لا يطولَ الليل وأنا أعرف أن يومَ غدٍ سيكون يومًا عاديا وربما أكثر رتابةً من بقيةِ أيام حياتي، لكنه سوف يكون مطعمًا ومطرزًا بالحرية والرغبة في الحركة والخروج والتسكع والعمل وكل الأفعال التي يبيحها ويُجيزها القانون.

ليلة أمس، السابع والعشرين من شهر مايو 2020م، أدركتُ أكثر من ذي قبل قيمة الحرية وأن أعيش في مكانٍ أرحب، في يدي مفتاح الباب وفي جيبي مفتاح السيارة لا أنتظر أحدًا يقول لي: ”الآن تستطيع الخروج“. فعلا هذه الأزمة في طولها وعرضها أعطتني دروسا لن أنساها وليس أقلها قيمةً أن أكونَ حرَّا كما أحب.

وبالفعل كما توقعت، استيقظت أبكر من كلِّ الأيام التي مضت مبتهجا في حالةِ الطفل الذي ينتظر اليومَ الأول من الصف الدراسي. بعد غيبةٍ مريحة وسعيدة لكنني كرهتها واشتقتُ لحياتي القديمة العادية. وعندما قربت الساعةُ من السادسة صباحا، راودتني نفسي أن أخرج قبل الميعاد مرارًا وغَالبتها متمنيا أن لا تعودَ هذه الذكريات وواعدًا نفسي أن تكون في نفايات الذاكرة.

وازنت سلبيات وإيجابيات الأشهر الماضية ووجدتُ فيها كثيراً من الإيجابيات والفوائد، لكنني بكل أمانة كرهتُ ومقت كل إيجابياتها، فقط لأنها سجنتني في داري وبين أهلي وفي رغد العيش وكان بإمكاني الفرار منها لو شئت، فها أنا ذا اليوم عرفتُ وقدَّرتُ قيمة حياتي العادية القديمة المألوفة العتيقة...

مستشار أعلى هندسة بترول